الداخل إلى العيادة الخارجية لضحايا التعذيب والحروب في برن قد يشعر بالتوهان لوهلة· ربما لأنها، وهي المحاطة بالأشجار الخضراء في منطقة منعزلة، تبدو للغريب كأي عيادة خارجية أخرى سويسرية، نظيفة ومرتبة وهادئة، لا يوجد ما يميزها عن غيرها سوى آسمها، الذي توسط لوحة صغيرة عُلقت على جانب باب الدخول·
أنشأ الفرع السويسري للصليب الأحمر هذه العيادة في برن عام 1995، "لتغطية حاجة ملحة وكبيرة في إعادة تأهيل ضحايا التعذيب والحروب"، كما تقول الدكتورة بريجيتا أمبول المديرة العلاجية للعيادة ·
فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن كل واحد من بين أربعة أشخاص تم اعتماد لجوءه في سويسرا، يعيش مع تداعيات ونتائج تعرضه إلى نوع من أنواع العنف المنظم· ولذا، ليس مستغرباً أن تستقبل هذه العيادة وحدها ما بين 150-200 مريض سنوياً، إضافة إلى تقديم نحو 400 استشارة طبية وعلاجية في العام·
ولكن ما الذي يعنيه أن يتعرض إنسان إلى التعذيب؟ المسألة لا تقتصر على إلحاق أذى جسدي بالُمعَذب، بل الهدف من التعذيب كما يقول الدكتور كونراد فراي مدير العيادة الخارجية لضحايا التعذيب والحروب في برن، "هو الإذلال"·
ففي حوار أجراه مع صحيفة دير بوند الناطقة باللغة الألمانية إثر الكشف عن فضيحة سجن أبو غريب في بغداد، رد الدكتور فراي على السؤال عما إذا كانت صورة العراقي الواقف على صندوق، ورأسه مغطاة بالكبوت، ويداه متصلتان بأسلاك، تمثل طريقة نموذجية في التعذيب قائلاً: "كل ما يمكن للإنسان أن يتصور فعله بإنسان أخر يتم استخدامه في التعذيب، لكن هناك عناصر نموذجية )"·
ويضرب مثلاً على ذلك بالقول: "الضحية تقف بصورة كلية تحت رحمة غيرها· يعمد (المُعِذّب) إلى بلبلتها من خلال القول مثلاً إن الأسلاك كهربائية· ويتم الإثقال عليها جسدياً بصورة شديدة للغاية من خلال إبقاءها في أوضاع محددة، كما يتم إلغاء حواسها من خلال تغطية رأسها بالكبوت· تدخل الضحية (بذلك) في حالة خوف، ويتم إخضاعها"·
ويكمل ملفتا إلى أن "هذا أمر معروف منذ محاكم التفتيش في المسيحية· الهدف من التعذيب أساساً هو الإذلال· ولذلك يتم استخدام الألفاظ النابية، والإهانة الجنسية، وهدم الرموز الدينية"·
وكما أن ظاهرة التعذيب معروفة منذ القرون الوسطى، وربما قبلها، فإنها موجودة يبدو هذا العنصر جلياً في جنسيات المرضى الذين يعالجون في العيادة الخارجية ببرن· فهي تختلف، كما تشرح الدكتورة بريجيتا أمبول، من فترة زمنية إلى أخرى حسب الأزمات المندلعة في العالم· أما في الوقت الحالي، فإن أغلبية المرضى القادمين إلى المركز ينتمون إلى تركيا، والشعب الكردي، ثم يليهم المنتمون إلى الدول التي كانت تتشكل منها يوغسلافيا سابقاً·
والبلدان العربية؟ هي أيضاً ممثلة في المرضى المعالجين في العيادة الخارجية· ويوضح الأخصائي الاجتماعي ملك صامويل جموه قائلاً "القوميات (العربية) التي تأتي إلى هنا أكثريتها من تونس، الأردن، قليل جداً من سوريا أو مصر أو من الجزائر· (وأيضاً) من ليبيا·
و"الشفاء من التعذيب ليس ممكنا"· تقول الدكتورة بريجيتا أمبول، "فمن عايش التعذيب يتحول، كما قال أحد الكتاب، إلى شخص أخر· لكن ما يستطيعه هذا الإنسان هو أن يعثر على هوية جديدة له، وأن يجد معنى (في الحياة)، كما يمكنه أن يجد مما عايشه قوة وطاقة لحياة، يمكن وصفها، بأنها حياة ثانية"·
لكن ذلك التاريخ القديم يظل دائماً محفوراً في ذاكرته، يعايشه دوماً كما لو كان واقعاً يحدث الآن، كجرح لا يندمل·
وتكمل الدكتورة أمبول "لا نستطيع أن نتصور هذا، فعندما نتذكر وضعاً ما، نستطيع أن ندرك الواقع الحالي، ونعرف أننا هنا، لكنهم يتذكرون ما حدث بالآلام الجسدية التي تسببتها، مع مشاعرهم كما عايشوها، بالصور، كأنهم يتعرضون إلى التعذيب الآن"·
المادة (6)
المادة السادسة التي أشارت إليها الناشطة الدانماركية ضد التعذيب والتي وصفت وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بأنه جلاد، والمحرض على أعمال التعذيب الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب تنص على الآتي:
نص المادة (6)
1 - تقوم أي دولة طرف، لدى اقتناعها، بعد دراسة المعلومات المتوافرة إليها، بأن الظروف تبرر احتجاز شخص موجود في أراضيها يدعى أنه اقترف جرما مشارا إليه في المادة 4 باحتجازه أو تتخذ أي إجراءات قانونية أخرى لضمان وجوده فيها، ويكون الاحتجاز والإجراءات القانونية الأخرى مطابقة لما ينص عليه قانون تلك الدولة على ألا يستمر احتجاز الشخص إلا للمدة اللازمة للتمكين من إقامة أي دعوى جنائية أو من اتخاذ أي إجراءات لتسليمه·
2 - تقوم هذه الدولة فورا بإجراء التحقيق الأولي فيما يتعلق بالوقائع·
3 - تتم مساعدة أي شخص محتجز وفقا للفقرة 1 من هذه المادة على الاتصال فورا بأقرب ممثل مختص للدولة التي هو من مواطنيها، أو بممثل الدولة التي يقيم فيها عادة إن كان بلا جنسية·
4 - لدى قيام دولة ما، عملا بهذه المادة، باحتجاز شخص ما، تخطر على الفور الدول المشار إليها في الفقرة 1 من المادة 5، باحتجاز هذا الشخص وبالظروف التي تبرر اعتقاله، وعلى الدولة التي تجري التحقيق الأولي الذي تتواخاه الفقرة 2 من هذه المادة أن ترفع فورا ما توصلت إليه من النتائج إلى الدول المذكورة مع الإفصاح عما إذا كان في نيتها ممارسة ولايتها القضائية·
احتفال ســـنوي
للعام السادس على التوالي يُحــيـي العــالم في 26/6 من كل عام يومــا عالميا ضد التعذيب·