ضائعة هذه الذكريات

حاولت الصحافية السويدية اكتشاف المزيد من المعلومات عن العائلة اللاجئة التي كانت تجري لقاء مع أفرادها في مخيم الجلزون (شمالي السويد) قالت الأم:
"نحن من أم الزينات، أجمل الأماكن في فلسطين"، فسألت الصحافية: "كم عدد الناس الذين عاشوا في أم الزينات قبل أن تغادروها؟" أجابت الأم: "كثيرون، ربما مئات العائلات"· ولكن الصحافية، في محاولة منها لإيضاح مهنتها في الغرب، أصرّت: "لا···لا··· أنا بحاجة إلى أرقام· على الصحافي أن يحصل على وقائع"· فردت المرأة بالحقيقة كما تراها: "وماذا يهم كم من الناس أو كم من العائلات كانوا هناك؟ كلنا عانينا، وانظري إليّ جالسة في مخيم لاجئين ممزقة أحن إلى الوطن· المعاناة ليست قضية أرقام"·
"أم الزينات" هذه التي يدور عنها الحديث، كانت قرية حقيقية تقع شرق وادي جزريل، واليوم يستطيع المرء أن يقرأ على مواقع الإنترنت توق وحنين سكانها السابقين وسكان القرى الأخرى إلى رائحة شجر الزوفا· ولكن الإنترنت التي تتحول إلى متحف فعلي لذاكرة اللاجئ، هي أبعد ما تكون عن كونها دفتر وقائع، ولكنها قد تكون كذلك أيضاً· هل أطلق الرصاص في أم الزينات في 15 أيار 1948، وهو اليوم الذي دخلت فيه القوات الإسرائيلية القرية؟ هل هرب السكان مرتعبين أم غادروا بإرادتهم؟
حتى المؤرخ الإسرائيلي بيني مورس الذي درس بعمق "مشكلة اللاجئين"، عانى متاعب في طريقه إلى إيجاد جواب قاطع· فقد أورد في كتابه "مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين (1948-1947)" محاضر لجنة حزب المابام السياسية في اجتماعها في 26 أيار، واقتطف منها دفع اليعازر بوير (بائير) الذي جاء فيه بأنه تحت قناع الحاجة العسكرية الملحة ارتُكبت أفعال خدمت في النهاية الأهداف السياسية، وإن النهج الذي كان سائداً آنذاك هو أن أي عربي باق هو إما جاسوس أو إرهابي محتمل، وفي ضوء هذا تم اتخاذ إجراءات منظمة لتخريب البنية الاقتصادية التحتية، ولم يُترك حجر على حجر· وفي هذه المحاضر زعم "بوير" أن سكان أم الزينات تم طردهم رغم واقعة أنه لم تطلق رصاصة واحدة· ولكن هذه ليست إلا حقيقة من طرف واحد، فمواقع الفلسطينيين على الإنترنت تتحدث عن لاجئين وعن شهداء من قرية أم الزينات· هل كان هؤلاء يقاتلون الإسرائيليين أم البريطانيين؟ وهل قاتلوا في أم الزينات أم في جبهات أخرى؟ من الصعب معرفة الجواب·
كان جواب المرأة التي التقت بها الصحافية السويدية: "كلنا قاتلنا، ولكنا طردنا، وها نحن كلنا في مخيم اللاجئين" لأن الواقعة التاريخية هي لصالح هذه النقطة، والمفيد هنا هم المؤرخون لا الذاكرة·
أم الزينات كأخيولة
للذاكرة حياتها المستقلة، حتى حين تكون ذاكرة طفل في الرابعة من عمره نشأ على قصص أهله الذين هربوا في تلك الليلة من أم الزينات· هذا الطفل هو محمد الأسعد مؤلف "أطفال الندى" ويبدو الأمر كما لو أن أحداً ما "أملى عليه القصة" كما يقول في لقاء معه نشر في صحيفة "إيلاف" الإلكترونية العربية· فالأسعد لا يتذكر القصص التي يتذكرها الآخرون فقط، بل يحوّلها إلى أخيلة جامحة، فتراه تارة في أم الزينات، وتراه في الحاضر تارة أخرى· "كانوا يسمونها القبانيات"، هكذا يتذكر ملتقطاً ذكريات بعيدة عن "الكيبوتزات" الإسرائيلية: "وكانوا يعرفون أن يهوداً غرباء مختلفين عن يهود البلاد يعيشون فيها، بعيداً عن الفلاحين وحقولهم، بعيداً عن ملحهم ومائهم· إنهم هناك فقط، غامضون وبلا أسماء"، إن ما رآه الأسعد هنا لن يراه الإسرائيليون إلا في ما بعد· ولكن اليهودي الغريب وغير المفهوم خلق نوعاً من نسب بين يهود البلاد والعرب الذين كانوا يقاتلون خصماً مشتركاً هو البريطاني"·
في كتاب الأسعد، يظهر حق العودة الذي يكثر النقاش حوله، ضبابياً ومراوغاً· إنه يتساءل: "هل سُرقت ذاكرتنا منا أم العكس؟"· وحين يصادف وهو طفل صورة ثوب فلسطيني في كتاب يرجع إلى أمه ويسأل: "أليس هذا الثوب من فلسطين؟" فتنظر أمه إلى الصورة بين مصدقة ومكذبة: "نعم، يبدو هذا مثل الثياب التي كنا نلبسها في البلد القديم"· وبتأثير هذه الصورة يتحرك فكره، فيسترجع أسماء القرى الفلسطينية: بيت دجن، عين شمس، الكرمل، عين جالوت، عين حوض، ليكتشف مندهشاً كم هو حميم التماثل بين هذه الأسماء التي تزدحم في رأسه وبين الأسماء المتداولة في مخيمات اللاجئين، ويتساءل: "ولكن لماذا لم نسمع هذه الأشياء منذ زمن طويل؟ لماذا هي مغلقة في غابة حجرية اختفى الطريق إليها؟"·
وأخيراً، يتجنب الإجابة ويلجأ إلى تفسير معنى كلمة "الندى"· الندى موجود في كل مكان: "إنه يتساقط ويتحول إلى قطرات صغيرة حين تشرق الشمس، إنه يندّي التراب، ثم نكتشفه في كل مكان· نكتشفه في رائحة الأشجار، وفي شقوق الصخور، وفي الفراق المبكر للطفولة··" الندى هو العلامة الهادية التي تصل بين الذاكرة وأولئك الذين يتذكرون: أطفال الندى·
لايعيد الأسعد إنشاء التاريخ، وليس في نيته هذا، لأن "التاريخ لا يعيد الحياة إلى الناس، إنه يستخدمهم ويهملهم في الوقت ذاته"· إنه بدلاً من ذلك يقيم حواراً مع التاريخ مستعيناً بالذاكرة· يقول خلال اللقاء المشار إليه في "إيلاف" إنه يقدم في كتابه "هولوجراما"، والهولجرام هو: "صورة يختلقها في الفضاء شعاع ليزر بناء على معطيات مبرمجة مسبقاً" إن استخدامه لتعبير "مبرمجة مسبقاً" ليس مصادفة، فبالنسبة إلى الفلسطينيين لا مفر من المأساة، إنها مصير مكتوب مسبقاً·
والآن، ما تبقى هو تقرير متى تقال كلمة الوداع· لم يحن الوقت بعد بالنسبة إلى الأسعد، فهو يكتب في "أطفال الندى": "نحن لم نراكم ما يكفي من الذاكرة لنكون قادرين على كتابة القصة: قصة الدموع الفلسطينية"· ولهذا يستخدم عن قصد باحثة أجنبية هي "دوروثي جارود" (وهي شخصية حقيقية) للكشف عن الماضي الفلسطيني على أساس ما تقوله الصخور· بالنسبة إلى الأسعد، لا تمتلك معرفة أن "جارود" عالمة آثار أمضت سنوات عدة وهي تنقب في الشرق الأوسط، وكانت أول امرأة تحظى بمنصب بروفيسور في جامعة كيمبردج، أية أهمية خاصة· المهم من منظوره أن "جارود" تنتقل فوق الصخور التي تغطي أموات الفلسطينيين لتعثر على المزيد من الصخور الفلسطينية تحتهم· المسألة هنا ليست توثيق الماضي، وما يستثمره الأسعد هنا ليس سوى مقدار ضئيل من الذاكرة الفلسطينية التي خلقت في أم الزينات· إنه لا يتظاهر بأنه يقدم ذاكرة فلسطينية جماعية·
وفي تنقله من الفقرات الوصفية إلى التأمل، ومن التأمل إلى الوقائع، يسحب الأسعد القارئ معه، ويتركنا نتساءل: لماذا أطلق على كتابه هذا اسم "حكاية قصيرة"· ولكن أولئك الذين لا يرضيهم التفسير الذي يقدمه قرار الأمم المتحدة رقم 194 لحق العودة، وأولئك الذين يعتقدون أن التعويضات ستطرد الذكريات، وأولئك الذين يعتقدون أن الفلسطينيين ليسوا شعباً واحداً بل ثلاثة شعوب: الذي ظل في إسرائيل، والذي ولد في فلسطين الجديدة، والذي يقوم بمهمة حارس الذاكرة، تستحثهم "أطفال الندى" على قراءتها مرات ومرات·
زفي بارإيل
عن "هآرتس"
(ترجمة: غالب العلي - "المستقبل")