
· رسالة التطمينات لشارون أوردت ضرورة موافقة الفلسطينيين على ضم المستوطنات
· إحجام الإدارة الأمريكية عن الضغط على إسرائيل يفقدها أي مصداقية
بقلم هنري سيغمان*
أغفل معظم مؤيدي ومعارضي طريقة تعاطي الرئيس جورج بوش مع عملية السلام في الشرق الأوسط التغيّر المهم في السياسة الأمريكية - على المستوى الخطابي على الأقل - والذي عبّر عنه الرئيس بوش لدى لقائه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في البيت الأبيض في السادس والعشرين من شهر مايو الماضي·
فقد أعلن الرئيس بوش في مؤتمره المشترك مع عباس أن سياسة الولايات المتحدة تقضي بأن مفاوضات الوضع النهائي بين إسرائيل والفلسطينيين يجب أن تبدأ من خط الهدنة لعام 1949 أو ما يعرف بـ "الخط الأخضر"·
وأشار علانية بأنه لا يمكن إدخال أي تغيير على هذه الحدود دون موافقة الفلسطينيين، وقال "هذا هو موقف الولايات المتحدة اليوم وسيكون هو موقف الولايات المتحدة عند إجراء مفاوضات الوضع النهائي"·
وكذلك، دعا بوش إسرائيل الى "عدم القيام بأي نشاطات تتعارض مع التزاماتها ضمن خطة خارطة الطريق أو تعرّض مفاوضات الوضع النهائى للخطر"· وكانت المرة الأولى التي يوضح فيها بوش أن ذلك ينطبق على القدس تحديدا، في وقت يبذل فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون كل جهد ممكن للحفاظ على سيطرة إسرائيل على المدينة بأكملها·
فقد أعطى الرئيس بوش لشارون في شهر أبريل من العام الماضي، رسالة اعتبرها رئيس الوزراء الإسرائيلي والكثيرون غيره، بأنها تطمينات أمريكية بأن "تبقى التجمعات الاستيطانية الكبرى" في الضفة الغربية ، تحت سيطرة إسرائيل سواء رغب الفلسطينيون في ذلك أم لم يرغبوا·
وكان ذلك يعني - بالنسبة للفلسطينيين - حتى لو نفذوا كل التزاماتهم بموجب "خارطة الطريق" - بما في ذلك "تفكيك البنية التحتية للإرهاب" - فلن يحصلوا، مع ذلك، على دولة قابلة للحياة، لأن مستوطنات الضفة الغربية تقضي على التواصل الجغرافي لأراض مثل هذه الدولة· فقد كان ذلك في ذهن شارون وهو يخطط لعمليات الاستيطان·
وهكذا، فإن تصريحات الرئيس بوش لعباس بأن ضم هذه الكتل الاستيطانية لن يتم دون موافقة كلا الطرفين، تمثّل رفضا واضحا لتفسير شارون لرسالة الضمانات التي حصل عليها من بوش العام الماضي·
لغة واحدة
وقد جاءت توضيحات الرئيس بوش للسياسة الأمريكية حول التغييرات على الأرض من جانب واحد تلك التي تقوم بها إسرائيل، في أعقاب توضيحات مماثلة صدرت عن المجلس الأوروبي في الخامس والعشرين من مايو الماضي، والتي أعلن فيها أن "الاتحاد الأوروبي لن يعترف بأية تغييرات في حدود عام 67 باستثناء تلك التي يتم الاتفاق عليها بين الطرفين"· وفي الواقع، فإن رؤساء الاتحاد الأوروبي، قد رفضوا ماكان يُعتقد بأنه قبول من جانب بوش للتغييرات الإقليمية من جانب واحد التي أحدثتها المستوطنات الإسرائيلية·
وقد أنكر منتقدو طريقة تعاطي بوش مع عملية السلام أهمية تصريحات بوش في السادس والعشرين من مايو على أساس أنها - في اعتقادهم - لا تحمل شيئا جديدا لأن بوش ذكر في رسالته لشارون "الحاجة لاتفاق الطرفين على أية تغييرات في خطوط الهدنة لعام 49"·
أولا، وثانيا لأن بوش لم يكن أبدا على استعداد لممارسة الضغط على إسرائيل لحملها على القيام بالتزاماتها بموجب "خارطة الطريق" وهم لا يعتقدون أنه سوف يفعل ذلك مستقبلا·
وفي حين أنه من الصحيح أن بوش استخدم في خطابه أمام عباس لغة مماثلة لتلك التي أوردها في رسالته لشارون، إلاّ أن السياق المختلف له دلالات مختلفة أيضا، فبالنظر الى أن رسالة بوش لشارون أكدت "إمكانية عدم العودة عن الحقائق الجديدة على الأرض بما في ذلك المراكز السكانية الإسرائيلية الكبرى القائمة" فقد كان من السهل على شارون أن يصرّ على أن الرسالة الموجهة للفلسطينيين هي أن "المستوطنات وجدت لتبقى وعليكم التعايش مع هذا الواقع"·
الأمل الوحيد
أما تركيز تصريحات بوش بعد عام على تلك الرسالة فقد انصب على عدم القبول بالإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب، وكانت الرسالة موجهة هذه المرة الى إسرائيل، إن "التغييرات في حدود 49 لا يمكن أن تتم دون موافقة الفلسطينين، وعليكم أن تدركوا ذلك"·
ولسوء الحظ أن ردود بوش على أسئلة الصحافيين بعد هذه التصريحات جاءت لتبرر شكوك المشككين الذين يقولون إنه لن ينفذ تصريحاته وأضعفت الثقة التي ربما حصل عليها الفلسطينيون في تصريحاته التي رفض فيها الإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب· فقد قال الرئيس بوش: إن على الفلسطينيين أن يحولوا الكارثة الاقتصادية والفوضى السياسية في غزة الى نموذج في الديمقراطية والحكم الرشيد والرخاء دون أن يطالب إسرائيل بالتوقف عن سرقة الأرض الفلسطينية لبناء المستوطنات عليها والبدء في مفاوضات الوضع النهائى مع الفلسطينيين·
ومع ذلك، فإنه سيكون من الخطأ السماح لبوش وإدارته بالنأي بأنفسهما عن تأكيد الرئيس المهم بعدم السماح لشارون بإجراء أي تغييرات من جانب واحد، في الضفة الغربية والقدس، وبالعكس، يجب إلزام الرئيس بالسياسة الأمريكية الجديدة التي تمثل علامة حاسمة للكثيرين في إسرائيل والولايات المتحدة وأماكن أخرى من العالم، الذين مازالوا يبحثون عن النزاهة والعدالة، ناهيك عن الشرعية الدولية، في التعاطي مع الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني·
إن إعلان الرئيس بوش بأن قيام إسرائيل بتغييرات أحادية الجانب على الحدود دون موافقة الفلسطينيين يمثل انتهاكا لخطة خارطة الطريق وللسياسة الأمريكية، يظل السبب الوحيد لتمسك الفلسطينيين ببعض الأمل بأن حلمهم بإقامة دولة مستقلة لا يزال قابلا للتطبيق·
(üكبير الباحثين في شؤون الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن والرئيس التنفيذي الأسبق للكونغرس اليهودي الأميركي)·
" عن: إنترناشيونال هيرالد تريبيون "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com