| عندما يفكر المرء بما يجري من حوله، وكيف تسير الأمور في وطنه وكيف تحدث التطورات خارج الحدود، لابد أن تتراءى أمامه بعض الأحلام الصغيرة·· هل يمكن أن تتحقق تلك الأحلام وينتقل الحال في الوطن إلى ما هو أجمل؟ هل يمكن أن يعم الحب والسلام والديمقراطية والتسامح وقبول الرأي الآخر والفكر الآخر في المجتمعات العربية؟ ماذا عن التنمية الاقتصادية وتفعيل استخدام الأموال والبشر، بما يعزز امكانات تحسين الأحوال المعيشية ورفع معدلات النمو؟ ثم إذا كنا قد قطعنا شوطاً طويلاً في التعليم، فهل نحن راضون عن مستوى خريجي المؤسسات العلمية، وهل هؤلاء صالحون للعمل في إطار مؤسسي وفي ظل تحديات الاقتصاد العالمي الجديد؟ هذه الأسئلة تعكس، في واقع الأمر، تحديات حضارية، ومن ثم فإن امكانات تحقيق ما تطرحه تظل في مستوى الحلم·· نحن شعوب كتب عليها أن تعيش مرحلة سياسية طويلة في ظل شعارات معاداة الغرب وكذلك في ظل شعارات مجدت قادة أتوا للسلطة دون مسوغات شرعية، ومعظم هؤلاء القادة جاءت بهم انقلابات قادها العساكر دون استئذان من مشروعية شعبية·
لقد ودع العرب خلال الفترة القصيرة الماضية ثلاثة من قادة الرأي والعمل السياسي في ثلاثة بلدان عربية·· فقد انتقل إلى رحمة الله كل من الأستاذ فؤاد سراج الدين في مصر، والدكتور قسطنطين زريق في لبنان والأستاذ سامي أحمد المنيس في الكويت·· ويمثل كل واحد منهم شخصية مهمة في مجال العمل الوطني والنشاط الفكري·· وإذا كان فؤاد سراج الدين قد عاش فترة طويلة من الزمن كقائد سياسي في حزب الوفد المصري منذ زمن بعيد وقبل ثورة 23 يوليو في مصر، فإنه لم يتمكن من تحقيق نزر يسير من أحلام جيله·· ولا شك أن حزب الوفد الذي تأسس منذ ثورة 1919 قد قاد الشعب المصري في زمن الكفاح ضد الاستعمار البريطاني وضد تسلط القصر الملكي في عهدي الملك فؤاد والملك فاروق·· كما ان الوفد برز كأداة سياسية مهمة للتحول نحو مجتمع مدني يتميز بالتعددية السياسية ويتوجه نحو بناء نظام ديمقراطي متكامل·· ودون ريب حالت ظروف كثيرة، منها ظروف الحزب الذاتية وطبيعة تشكيلاته وهيمنة أصحاب المصالح والنفوذ على تحجيم قيادته للتغيير المنشود·
وإذا كان فؤاد سراج الدين الذي مات وهو قد شارف على التسعين فإن الدكتور قسطنطين زريق والذي ولد في أواخر العقد الأول من القرن العشرين هو من نفس جيل الأستاذ فؤاد، وإن اختلفت التوجهات الفكرية والتجربة السياسية·· لقد كان الدكتور زريق من أهم قادة الفكر القومي العربي، وظل نشطاً فكرياً حتى قبل مماته بقليل وهو ساهم في بناء الأطروحات القومية منذ بدايات التجربة القومية في الوطن العربي·· وليس غريباً أن يكون الدكتور قسطنطين زريق قومياً في فكره فهو ابن دمشق وقد ترعرع في بيروت وفي الجامعة الأمريكية هناك حيث تعززت القيم القومية العربية في أوساطها·· لكن الدكتور زريق كان يريد تنمية عربية حديثة مبنية على قيم الديمقراطية والحرية السياسية، ونشط في مجالات عمله الكثيرة في تأسيس مفاهيم لتطوير التعليم والثقافة والعلوم الحديثة·· لكن الدكتور قسطنطين زريق واجه، في تحقيق أمانيه، معضلات الموروثات القيمية والثقافية والبناء السياسي المستعصي والمعادي للحرية والديمقراطية·· وبالرغم من كل تلك المعضلات المهمة فقد ظل متفائلاً مؤمناً بانتصار التقدم في نهاية المطاف!
وإذا كنا قد ودعنا الأستاذ سامي المنيس الذي نشط في الحياة السياسية في الكويت منذ أن كان يافعاً في الخمسينات ودخل معترك العمل السياسي منذ تأسيس الحياة الدستورية في الكويت في أوائل الستينات من القرن العشرين، فإننا لن ننسى قدرته اللامحدودة على التفاؤل·· وحتى في اللحظات المظلمة في التاريخ الكويتي، وفي المراحل الأولى للاحتلال العراقي للكويت والتي كانت من أحلك حقبات التاريخ في الكويت، حتى في تلك الظروف ظل متفائلاً بقدرة الكويت والكويتيين على النصر وتجاوز المحنة·· ولم يتردد في فتح ديوانيته في منطقة العديلية وظل يستقبل رواد ديوانيته التي جمعت الكويتيين في تلك الفترة الحرجة·· كما أن المرحوم ساهم بعد خروجه من الكويت في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 1990 أثناء فترة الاحتلال الغاشم، ساهم في فعاليات مؤتمر جدة الشعبي الذي انعقد لتأكيد إصرار الكويتيين على التحرير وعلى إعادة العمل بالشرعية الدستورية، واختير لعضوية اللجنة الشعبية التي ساهمت في العمل مع الحكومة الكويتية في المنفى في مدينة الطائف، وبعد التحرير لم يتوان الأستاذ سامي المنيس عن العمل من أجل تعزيز البناء الديمقراطي، ولم يفقد الأمل، بالرغم من عدم توفيقه في الانتخابات التي جرت في عام 1992·
وإذا كان هؤلاء الثلاثة الذين فقدناهم، وكل له بصماته وتوجهاته الفكرية والسياسية، قد دفعوا أبناء أجيالهم والأجيال التي تصغرهم للحلم بتحقيق واقع سياسي وثقافي أفضل في البلدان العربية فإننا نأمل أن نقتدي بقدرتهم على الصمود ومواجهة كل المصاعب·· لا بد أن نظل نحلم لتحقيق تلك الأحلام، التي أصبحت متواضعة قياساً بما يجري في العالم·· لكن ليس أمامنا سوى النضال من أجل تحويل تلك الأحلام إلى واقع يعزز قدرتنا على تحديث الحياة ونشر الديمقراطية· وإذا كنت أقول ان تلك الأحلام متواضعة فإنني أود أن أذكر بالصعوبات التي تواجهنا في الكويت لتعديل قانون الانتخاب بما يمكن المرأة من ممارسة حقوقها في الانتخاب والترشيح، وهي حقوق أقرتها مجتمعات كثيرة، بما في ذلك مجتمعات إسلامية وعربية· |