| جاءت نتائج قمة عمّان مخيبة للآمال، كما كان متوقعا، ولم ترق لمستوى الفهم الواقعي للأزمة العربية·· وقد أضاعت القمة وقتا مهما في محاولة لتبييض صفحة النظام العراقي وإعادة تأهيله·· ولا شك أن ما حدث يؤكد ضعف الذاكرة العربية، أو عدم الاهتمام بالنتائج المأساوية لما قام به ذلك النظام على مدى يزيد عن عقدين من الزمن·· كيف يمكن أن يحاول عدد من القادة العرب الضغط من أجل مصالحة الكويت مع النظام الحاكم في العراق دون الأخذ بعين الاعتبار طبيعة الجريمة التي ارتكبت بحق الكويت وما زالت آثارها قائمة متمثلة بمسألة الأسرى والمفقودين الكويتيين وغيرهم والذين جرى اعتقالهم إبان فترة الاحتلال، وكذلك فإن النظام العراقي ما زال يصر على صواب مواقفه التي أدت الى الغزو والاحتلال، وهو لا يزال يعتبر الكويت جزءا من العراق كما يدعي عدد من المسؤولين في بغداد؟ هل يعقل أن تكون الحكومات العربية وقادتها غير معنيين بتلك الأحداث وتلك المواقف، أو أنهم لا يعونها ليتصوروا أنه بالإمكان إقامة حفل تصالح ليكللوا قمتهم بالنجاح؟ ودون جدال فإن ما حدث في تلك القمة قد أضاع الجهود التي كان يجب أن تبذل من أجل وضع أسس للسلام في المنطقة ومعالجة تعثر مسيرة السلام، أو التركيز على قضايا مجدية مثل التنمية الاقتصادية أو التعليم في الوطن العربي·
لكن هل كان لتلك المصالحة المنشودة من أثر على أوضاع المنطقة أو على الموقف الدولي من العراق؟ إن الوضع العراقي سيظل معقدا وغير قابل للحلحلة ما دام النظام في بغداد يرفض التعاون مع الأمم المتحدة بشأن التفتيش على أسلحة الدمار الشامل، وذلك يدعو للتأمل في ما إذا كانت الحكومة العراقية الراهنة تريد فعلا الانعتاق من نظام العقوبات والحصار·· لقد كان أجدى للقمة العربية أن تناشد بغداد بالتوافق مع الأمم المتحدة، والتجاوب مع مطالب الكويت لتحرير الأسرى، أو على الأقل تقديم معلومات واضحة عنهم، وكذلك التجاوب مع قرار مجلس الأمن الدولي 688 الصادر في 5 أبريل 1991 بشأن الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان في العراق·· لكن هل النظام العربي متوافق مع تطورات العصر ويواكب جنوح الإنسانية نحو تحرير الإنسان من قيوده ومنحه الحرية وحق الممارسة الديمقراطية، أم أن هناك خوفا من يكون القبول بمطالب الأمم المتحدة في ما يتعلق بالشأن العراقي سيكون سابقة قد تثير المخاوف من تدخلات أممية في شؤون عربية أخرى لا تقل مأساوية عن الواقع القائم في العراق؟
ومما يثير الشفقة ما حدث مؤخرا في مصر عندما زارت لجنة من الكونغرس الأمريكي لتقصي الحقائق حول مسألة الحرية الدينية في مصر، عندما قاطعت الأحزاب والمنظمات السياسية الأخرى اللقاءات مع تلك اللجنة·· ألم يكن من الأجدى أن تتم مقابلة تلك اللجنة ووضع الحقائق دون مواربة وبشفافية كاملة؟ ثم لماذا ننكر وجود تعسف في التعامل مع الأقليات، ألم تواجه الأقلية القبطية معاناة من التطرف الأصولي، ألم تهدم الكنائس وتحرق المحلات التي يملكها الأقباط؟ لن تكون المعالجة سليمة وواقعية دون مواجهة الحقيقة وكشف الأوضاع، ثم محاولة تثقيف الناس بأهمية التعايش وقبول الآخر واحترام ديانات مختلف الفئات في المجتمعات العربية، حيث إن التطرف هو الذي يعطل السلام المجتمعي ويؤخر إمكانات التنمية بمختلف أشكالها· ولذلك فإن التعامل مع الجماعات الأجنبية مثل منظمات حقوق الإنسان الدولية أو لجان التفتيش البرلمانية وغيرها لن يفيدنا وعدم التعاون مع تلك المؤسسات والجهات لن يحل مشاكلنا·
لقد أثبت العرب بأنهم الأكثر عنادا وتعنتا والأقل مرونة عند معالجة أو مناقشة الأمور التي تتعلق بالأوضاع الهيكلية في حياتهم السياسية والاقتصادية، ولذلك فإن المرء يصعب عليه تصور إمكانات لتطوير الواقع المجتمعي والاقتصادي في أي من البلدان العربية·· ودون ريب فإن هذه السمات قد لا تسمح بنجاح الممارسة الديمقراطية على الأمد القصير، مما يعني بأن التحولات المنشودة في ظل إطار ديمقراطي حقيقي سوف تستغرق عقودا طويلة من الزمن حتى يتم إنجازها·· وليس أدل من ذلك ما حدث في سورية مؤخرا عندما قامت بعض المنتديات وطرحت على بساط البحث والمناقشة الأوضاع داخل البلاد وكيف يمكن تطويرها من خلال أساليب المواجهة الديمقراطية·· هناك هب الحرس القديم ووضع العراقيل أمام تفتح آلاف الزهور ومنع المنتديات من ممارسة حق النقد·· لكن المشكلة ليست فقط في مواقف الأنظمة الحاكمة، بل هناك فئات أخرى خارج السلطة، وأحيانا تعتبر من المعارضة، تقف في مواجهة التغيير والإصلاح البنيوي·
إن هذا الواقع العربي يحتم على الفئات المثقفة، ربما ليس كل الفئات، من أجل التصدي فكريا لمختلف المشاكل وطرحها بوضوح والتفكير بأساليب معالجتها·· وما يثير القلق أن فئات واسعة من المثقفين هي الأكثر تشددا وعنادا ضد التغيير والتطوير، مما يعني أن منظومة القيم لا تزال تمجد الديكتاتورية والشمولية ورفض الآخر· لقد عانينا من ذلك أثناء الغزو العراقي للكويت، ولا يزال الكثير من المثقفين العرب يقفون مع ذلك النظام بالرغم من الظلم الفادح الذي يعاني منه العراقيون كشعب·· كما أن الكثير من الطروحات التي بادر بها بعض المثقفين حول مسائل السلام أو الديمقراطية قد تم تجريمها من مثقفين عرب آخرين·· وإذا كان الإنسان يجرم لفكرة وثقافة في المجتمعات العربية فهل يمكن أن نراهن على التجديد والتطوير في مثل هذه المجتمعات؟ وغني عن البيان فإن ما يجري على الساحة العربية يؤكد بأن الأمور لا تزال تقاس من خلال مفاهيم وقيم قد لا تتوافق مع متطلبات العصر، وهذه المفاهيم والقيم تمثل الأساطير العربية! |