|
هل يمكن أن نرصد الحصاد السياسي لتجارب الأنظمة العربية خلال السنوات الخمسين الماضية؟ إذا أردنا أن نقيم التطورات الاقتصادية والاجتماعية على مدى نصف قرن ومنذ بداية عهود الاستقلال الوطني في أكثر من دولة عربية ماذا سنجد من حقائق ووقائع على أرض الحياة السياسية؟ كما نعلم أن البلدان العربية خلال السنوات الخمسين الماضية عاصرت أحداثاً جساماً تمثلت في انقلابات عسكرية، في عدد من البلدان، على أنظمة الحكم التقليدية، كما شهدت الساحة حروباً أهلية، يمكن أن تكون الحرب الأهلية اللبنانية أشدها دون أن ننسى الحرب القائمة بين الحكومة وأطراف أخرى في جنوب السودان·· كذلك شهدت العراق حروباً متقطعة في شمال العراق بين الحكومة والأكراد، ناهيك عن حرب العراق مع إيران على مدى ثماني سنوات، وهناك غزو العراق المدمر للكويت· كذلك هناك الصراع المفجع في الجزائر والذي أودى بحياة عشرات الآلاف من البشر دون جدوى على مدى العقد الماضي، ومازال مستمراً·· هذا، ولا يفوتنا ما حدث في اليمن شماله وجنوبه، ومنذ بداية الستينات، فبعد النضال المسلح ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب والحرب بين الملكيين والجمهوريين في الشمال، جاء النزاع بين الأطراف الحاكمة في الجنوب وتوج في صراع عام 1986، ثم جاءت الحرب بين الشمال والجنوب، بعد الوحدة، في عام 1994·
كل تلك الأحداث الدامية لابد أنها قد ولدت علاقات متوترة بين الأطراف العربية لم تتمكن الأنظمة من معالجتها بأسلوب يحقق التسامح ويوطد العلاقات المعقولة التي تمكن من التواصل والتفاعل الديمقراطي وتؤسس لحياة مستقرة وانفتاح ديمقراطي معقول·· بطبيعة الحال إن تلك الأحداث لا تمثل كل ما حدث في البلدان العربية من توترات وصدامات، بل قد تكون هي نتاج لأوضاع كثيرة سبقت حدوثها أو نشوبها·· ولا ريب أن ما حدث يؤكد أن البلدان العربية لاتزال بعيدة عن أساليب المعالجات الراقية للأزمات والاحتقانات، ولم تتمكن من إيجاد أنظمة قادرة على التحكم بالمعضلات الأساسية، أو تكون واعية بطبيعة المشكلات التي تؤدي إلى الصدام أو النزاع·· كذلك فإن المجتمعات العربية لاتزال تعاني من درجة عالية من التخلف السياسي والحضاري بما لا يمكنها من التنبه لمخاطر تلك الأزمات أو تحديد أساليب المعالجة المواتية·· ومما لاشك فيه أن النزعات الشمولية هي المهيمنة على الحياة العربية، ولذلك لا يجد المرء مرونة لدى قيادات العمل السياسي تمكن من معالجة المواقف على أسس عقلانية·
خلال الفترة المذكورة تمتعت بلدان عربية كثيرة بثروة نفطية مهمة مكنتها من زيادة مداخيلها وتحسين بنيتها التحتية ورفع مستويات المعيشة وتطوير الأنظمة التعليمية والصحية بما يتناسب مع متطلبات الحياة العصرية·· لكن تلك الثروة النفطية، والتي استفادت منها بلدان عربية غير منتجة للنفط بطرق غير مباشرة ومن خلال المساعدات من الدول النفطية وتحويلات العاملين، لم تمكن من بناء اقتصادات عصرية متنوعة الإيراد والنشاط·· لقد أدت اقتصاديات النفط لتكوين أنظمة اقتصادية موجهة تعتمد على الإنفاق العام ودور الدولة في قيادة العمل الاقتصادي، وتم تهميش المؤسسات الخاصة والأفراد·· من جانب آخر تبنت معظم الدول العربية الأخرى، والتي لم تكن نفطية، أنظمة اقتصادية عمدت إلى تأميم المصالح الخاصة، الوطنية والأجنبية، وقامت بتقييد السياسات النقدية بحيث أصبح سعر صرف العملة الوطنية مقيداً، ولم يعد في الإمكان تحويل الأموال دون أخذ موافقات مسبقة من الأجهزة الرسمية، وبعد عناء طويل·· هذه الحقائق دفعت الكثير من أصحاب رؤوس الأموال إلى الرحيل وتوظيف ثرواتهم في البلدان الرأسمالية، وبعيداً عن الأوطان·
في ظل هذه الظروف السياسية والاقتصادية بعد هزيمة العرب في حرب 1967، والتي أدت إلى قيام إسرائيل باحتلال أجزاء مهمة من مصر وسورية وكل الضفة الغربية وغزة·· وغني عن البيان أن تلك المأساة دفعت إلى تأزيم الأحوال السياسية في أكثر من بلد عربي، وتبخرت آمال قومية كبيرة، واهتزت قيم سياسية·· وإذا كان التيار القومي العربي قد عانى من تلك الانتكاسة العربية، والتي حطمت الطموحات بالوحدة وتحرير فلسطين، فإن قيادات ذلك التيار لم تتعلم الدروس المناسبة مما حدث وبدلاً من معالجة الواقع من خلال نشر الفكر الديمقراطي والإصلاح السياسي توجهت بعض القيادات إلى تبني معتقدات متطرفة، مثل الطروحات اليسارية الشمولية·· مقابل ذلك برز التيار الإسلامي بقوة، وشمت بالتيار القومي وطرح معتقداته ذات الأصول الشمولية، أيضاً، ونزع إلى تكفير الأنظمة القائمة، ولم يتقدم بفكر مرن وإصلاحي مناسب·
وإذا كان هذا الواقع السياسي هو ما نعاني منه الآن، وبعد مرور خمسين عاماً أو أكثر على بداية عهود الاستقلال العربية، هل يمكن الآن بعد أن اتضح أن الفكر المتطرف، أياً كانت منابعه، غير قادر على محاكاة الحياة المعاصرة أو يعالج المشكلات التي تواجهها مجتمعاتنا، هل يمكن أن نتلمس الأساليب الناجعة لمواجهة المعضلات الراهنة والمتراكمة؟ هناك ضرورة لمراجعة جميع أجندة الحياة السياسية، وأساليب العمل الاقتصادية، وتقييم أنظمة التعليم والإعلام·· هذه المراجعات يجب أن تدفع للاستفادة من تجارب الآخرين، وخصوصاً البلدان التي مرت بتجارب شمولية خلال السنوات الخمسين الماضية، في القرن العشرين، مثل بلدان أوروبا الشرقية ودول أمريكا اللاتينية وعدد من دول جنوب شرق آسيا لكي نتعلم كيف عالجوا معضلات مستعصية ثم تجاوزوها ليصلوا إلى مرحلة التنمية الراهنة، والتي مكنت بعض هذه الدول من تحرير الحياة السياسية، وتعزيز القدرات الاقتصادية· |