|
هل تخلفت الأوضاع العربية والإسلامية عن الحياة العصرية، ومنذ متى بدأ تكريس هذا التخلف؟ في تقديري المتواضع أن التخلف بدأ منذ عام 1980 عندما بدأت الحرب العراقية الإيرانية، منذ ذلك الوقت أصبحت هموم الحكومات والشعوب بعيدة عن التنمية الحقيقية، ومشلولة عن التفكير في متطلبات الاستعداد للانتقال إلى القرن الحادي والعشرين·· كل ما كان يهم الحكومات هو توفير الأمن للأنظمة والبلدان والابتعاء عن مخاطر الوقوع ضحية للحرب الناشبة في الأطراف·· كذلك فقد تم استقطاب الشعوب بهذه الحرب العبثية وما تلاها من مغامرات للنظام العراقي دفعت بلدان المنطقة ثمناً باهظاً لها، وكان ذلك على حساب مشاريع التنمية والتواصل مع الحياة العصرية·· وقد واكب تلك الأحداث المأساوية، على مدى العقدين الضائعين من حياتنا، استنفار الدين لتغييب العقول واستغلاله من أجل تكريس العداء للآخرين وتأجيج الفكر الطائفي والمذهبي، بكل ما يحمل من خلق استقطابات مقيتة في هذه المنطقة التي مازالت تعيش حالاً من التخلف الثقافي والسياسي على الرغم من علامات الثروة المظهرية الناتجة من تدفق أموال النفط·
من يزور إيران أو العراق سيلاحظ مدى الدمار الاجتماعي والثقافي الذي حدث هناك، والذي لم يكن فقط من نتاج الحرب العراقية الإيرانية، على أهمية ذلك، بل، أيضاً، بسبب السياسات الحكومية المستبدة والمعادية للفكر الإنساني والقيم الحضارية العصرية·· وليس أدل من ذلك سوى مستوى الأجهزة والتقنيات المستخدمة في الأعمال في كلا البلدين والتي أصبحت من الموميات العصرية، على الرغم من أنها أنتجت في ستينات أو سبعينات القرن العشرين·· إن العالم يسير بخطى سريعة لا يمكن اللحاق بها دون التهيئة المناسبة إدرارياً وسياسياً·· ولا يمكن الاقتصار على إيران والعراق في خانة التخلف التقني والإداري، بل هناك بلدان أخرى مثل سورية، وذلك يعود، بطبيعة الحال، إلى نوعية النظام الاقتصادي السائد حيث تتسيد الدولة في جميع القطاعات وتحظر على القطاع الخاص أن يلعب الدور الضروري في التنمية، كما أن هذه الدول تغلق أبوابها أمام الاستثمارات الأجنبية القادرة على جلب الإدارة الحديثة والتقنيات العصرية والقيم الاقتصادية الملائمة لرفع الإنتاج وتحسين نوعية السلع المنتجة والخدمات المتوافرة· هذا الواقع لابد أن يكون مسؤولاً بشكل مباشر عن أزمة التطور الحضاري والاقتصادي في هذه البلدان، التي لاشك أنها تملك إمكانات اقتصادية وافرة، لو أحسن إدارتها سياسياً واقتصادياً·
هل يمكن أن تتجاوز بلدان المنطقة هذا التخلف بالسرعة اللازمة لتلتحق بالعالم؟ خلال السنوات الماضية تراكمت نتائج الابتعاد عن الحياة العصرية، ونمت قيم استبدادية متخلفة في معظم بلدان المنطقة، كما أن البلدان التي ظلت منفتحة على العالم لم تتمكن من تطوير قدرات إنتاجية بقدر ما كرست من تقاليد استهلاكية ضارة مصحوبة بفكر متخلف ومعطل·· من أهم المعوقات التي تعطل التنمية في بلدان المنطقة الزيادة السكانية الطبيعية التي تتجاوز نسبة الثلاثة في المئة سنوياً في أكثر من بلد، وقد نشأ عن ذلك ازدياد أعداد صغار السن الذين أصبحوا يمثلون عبئاً اقتصادياً كبيراً على الحكومات، وتصل نسبة الذين تقل أعمارهم عن العشرين إلى ما يربو على الستين في المئة من السكان في عدد كبير من بلدان العرب والمسلمين، خصوصاً في غرب آسيا·· هؤلاء يتم تعليمهم بشكل ساذج، وعندما يتدفقون إلى سوق العمل لا يجدون الوظائف والأعمال المواتية للاستفادة من طاقاتهم·· في أغلب الأحيان، هؤلاء يصبحون عالة على المال العام في الدول التي تستطيع تحملهم مثل دول الخليج العربية ذات الإمكانات المالية المعقولة·
لكن أهم من كل ذلك هو طريقة التفكير وتقييم الأمور حيث اختلطت الأوهام بالرغبات الكامنة، والتي لا ينتج عنها سوى قناعات مضطربة وبعيدة عن الواقع الحقيقي·· ولا يمكن هنا أن نفرق بين الجنسيات العربية والإسلامية، حيث إن معظم أبناء هذه الشعوب، وخصوصاً مثقفيها، يدعون أنهم ضحايا للاستعمار والتآمر الغربي عليهم، وأن ما يحدث لهم من معضلات وما يجري من تعطيل لتطورهم ناتج من ذلك التآمر·· أيضاً، هؤلاء يرفضون تحمل أي مسؤولية عن ما نجم من تدهور في الأوضاع في مجتمعاتهم التي تدثرت بالتخلف والخزعبلات على مدى زمني طويل· كما أن النخبة المثقفة لا ترى مدى تقصيرها في تبني الطروحات العصرية، وكذلك لا تقر بمسؤوليتها عن عدم مواجهة المعضلات السياسية والاقتصادية بما يتوافق مع تفعيل عناصر نهضة حقيقية في بلدانها·· بطبيعة الحال على المرء أن يقر بأن الأنظمة السياسية المستبدة قد عطلت ذلك الدور المهم الذي كان من الممكن أن تلعبه النخب المثقفة، لكن الأمر لا يخلو من انصياع عدد كبير من المثقفين للأمر الواقع وقبوله بكل عيوبه·
هناك، الآن، تحديات أمامنا للنهوض من ما نعانيه من تخلف وتراجع عن العصر، ولابد أن نضع بعين الاعتبار ضرورة الاهتمام في مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية·· وفي ظل الأوضاع الصاخبة التي تسود العالم في أيامنا هذه فإن علينا أن نحدد المواقف الصحيحة التي تتوافق مع متطلبات التنمية الشاملة· ومن أهم هذه المواقف قدرتنا على مصالحة الآخرين فكرياً وسياسياً وهذا لايمكن أن يحدث دون تفهم مصالح الآخرين وكيفية التعامل معها·· ولن تستفيد الحكومات المتوترة من الانصياع للفكر الشعبوي المعادي للغرب ابتغاء تفادي المخاطرالسياسية والأمنية، بل عليها أن تواجه الأمور بجسارة وتحدد المصالح الوطنية على ضوء فكر عقلاني مستنير·· إن من أهم أدوات التحديث ما يتمثل في الاستفادة من جميع عناصر المجتمعات من شباب ونساء وتفعيل دورهم في العمل والمشاركة السياسية وتطوير قدراتهم على الاستفادة من قيم الحياة العصرية حتى يمكن زيادة جرعات العمل التنموي في مجتمعات عانت الكثير من التخلف· |