| يواجه العرب، أنظمة وشعوبا، تحديات راهنة لا يمكن التكهن بكيفية تعاملهم معها، إن أهم التحديات الراهنة مسألة إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وتحديث الأنظمة السياسية نحو المزيد من المشاركات الشعبية والديمقراطية، ويبدو من التحركات الجارية في المنطقة أن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والأمم المتحدة وروسيا، أو المجموعة الرباعية، عازمة على إيجاد حل للمعضلة الفلسطينية على أساس مشروع خارطة الطريق، ولا يمكن التقليل من شأن هذه التحركات خصوصا وأن الفلسطينيين يقرون بجدية هذه الجهات في مساعدتهم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة، لكن لا يمكن المراهنة على هذه التحركات ما لم تتطور الأمور على أرض الواقع بوضع حد للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة ووقف الهجمات الانتحارية التي تقوم بها جهات فلسطينية تريد وقف التحرك السياسي باتجاه السلام والتسوية، هذه الحقائق تشكل تحديات لكل الأطراف المعنية، لكل من محمود عباس “أبو مازن” رئيس الوزراء الفلسطيني وأرييل شارون والقوى الدولية وعلى رأسها الرئيس جورج بوش، وهل تستطيع هذه الأطراف أن تكيف الأوضاع بما يتوافق مع مسيرة السلام؟
إن المراقب للأوضاع الفلسطينية يجد أن السلام هو الخيار المنطقي حيث تعيش المناطق المحتلة وضعا مأساويا وتتراجع مستويات المعيشة باستمرار وتتزايد حدة البطالة بين العاملين من أبناء الشعب الفلسطيني، وقد تفاقمت هذه الأوضاع المزرية عند اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر من عام 2000·
وليس هناك جديد في هذا السياق حيث إن الأمور باتت معروفة، وكيف تطورت الى هذا الدرك بعد وصول حكومة شارون الى سدة الحكم في إسرائيل، وإذا كان هناك من يعتقد أن الإسرائيليين قد عانوا من هذه الأوضاع، سواء على مستوى الخسائر المادية من جراء العمليات التي قام بها الفلسطينيون ضدهم من تفجيرات وأعمال انتحارية وأدت هذه الأوضاع الأمنية غير المريحة الى تراجع الأداء الاقتصادي وتعطل أعمال الكثير من القطاعات الاقتصادية، إلا أنه يجب الإقرار بأنه مهما كانت الأوضاع صعبة لديهم فإن معاناة الفلسطينيين أشد وطأة وأكثر إيلاما ولا يمكن للمرء إلا أن يقر بأن المعاناة الناتجة من ردود الفعل الإسرائيلية على الهجمات الفلسطينية قد أدت الى الكثير من الضحايا بين صفوف المدنيين ناهيك عن الجرحى وهدم المنازل والاعتقالات·
وإذا كان تحدي السلام يمثل أمرا سياسيا في مسيرة الحياة السياسية والاقتصادية في بلدان المشرق العربي فإن تحدي التطور الديمقراطي يظل أكثر إيلاما، ولن يكون من اليسير على الأنظمة العربية التي اعتادت على الحكم الشمولي وغياب رقابة شعبية أن توافق مقتنعة بضرورة التحول نحو المشاركة الشعبية وتوفير الشرعية الديمقراطية، لقد استمرت هذه الأنظمة، سواء كانت تقليدية أو انقلابية، على رفض الرأي الآخر وتهميش الخصوم السياسيين بوسائل متعددة·
وإذا كانت دول العالم قد سارت شوطا طويلا باتجاه الديمقراطية فإن البلدان العربية لا تزال تسير بخطوات بطيئة، باتجاه الإصلاح السياسي، ومن الصعب اعتبار الأشكال النيابية السائدة في عدد من البلدان العربية نماذج للديمقراطية فليس هناك من آليات للتحول السياسي أو تداول السلطة، وتظل الأحزاب الحاكمة، أحزابا حاكمة الى أجل غير محدود·
وإذا كان التطور السياسي الراهن في العراق سيمكن من تحولات نحو الديمقراطية فإننا قد نرى بصيصا من النور في آخر النفق، لكن هل هناك قوى سياسية في العراق تملك توجهات ديمقراطية حقيقية وتعترف بحق الآخرين في الرأي المختلف وحقهم في تداول السلطة، وهل يمكن لهذه القوى تأسيس وضع يمكن من استقرار الديمقراطية؟ وإذا كانت هذه القوى وخصوصا قياداتها، قد أمضت سنوات طويلة خارج البلاد نتيجة للديكتاتورية والبطش والاستبداد الذي ليس له نظير في العهد الحديث فهل لديها امتدادات في المجتمع العراقي؟ أهم من كل ذلك أن المجتمع العراقي قد شوه خلال ثلث القرن الماضي، الشباب الذين ولدوا خلال سنوات السبعينات والثمانينات، وهم شربوا بقيم ومفاهيم لا تمت للحضارة الإنسانية الحديثة وتقاليد التسامح والحرية والثقافة الحرة، هؤلاء وصغار السن يمثلون أكثر من سبعين في المئة من الشعب العراقي، كيف يمكن إغاثتهم وجعلهم أكثر قدرة على تقبل قيم الديمقراطية؟
إن هذه الحقائق تفرض علينا أن نحكم عقولنا بما يسمح للاستفادة من تجارب الآخرين وتعزيز القدرة على استيعاب التحولات الجارية في العالم، قد تكون لدينا معوقات حضارية تمنعنا من الاستفادة من فرص السلام أو احتمالات التحول الديمقراطي، لكن هل لدينا قوى سياسية مستعدة لبذل الجهد من أجل صياغة المستقبل السياسي لهذه الشعوب؟؟ لقد أكدت تقارير الأمم والمنظمات المتخصصة أن العرب هم الأكثر تخلفا في ميادين التنمية الاقتصادية والتطور السياسي، بالرغم من الثروة البترولية التي حباها الله لدول عربية كثيرة، وهذه المؤثرات الموضوعية لا تمنحنا الأمل في إنجاز التحولات المنشودة، بيد أن الاستمرار في ظل الأوضاع التي نعاني منها منذ سنوات كثيرة يعني المزيد من التخلف والتطرف السياسي والخضوع لمنطق القوى المعادية للإصلاح·
ما هو مطلوب هو أن تعي القوى الحية في المجتمعات العربية أهمية مصارحة الشعوب بحقائق الأوضاع وإثبات الجرأة في تقديم العلاجات الملائمة· |