رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 26 جمادى الأولى 1424هـ -26يوليو 2003
العدد 1587

تحولات تــــمـــوز!
عامر ذياب التميمي
tameemi@taleea.com

يشهد شهر يوليو (تموز) مناسبات عربية كثيرة ومن أهم هذه المناسبات ثورة (أو انقلاب) 23 يوليو 1952، وانقلاب أو (ثورة) 14 تموز 1958 وانقلاب 17 تموز 1968 في العراق ولابد من التنويه بأن هذه المناسبات مثلت لأجيال عربية ذكريات وطنية وقومية ذات أهمية مما جعلها احتفالية كبيرة··· لكن تلك الأحداث ساهمت في الانتقال بالسلطة في مصر والعراق من النظام الملكي إلى حكم العسكر والذي أدى إلى تراجع التطور في المجتمع المدني وتأسيس الدولة الشمولية·

ولقد تكرر المشهد في أكثر من بلد عربي في مواعيد مختلفة مما جعل العسكر يسيطرون على مقاليد السلطة في بلدان عربية كثيرة مثل مصر والعراق وسورية واليمن وليبيا والجزائر والسودان، وبالرغم من الانتكاسات الوطنية والقومية في ظل حكم العسكر لم تفلح المحاولات للعودة للحكم المدني إلا بأشكال تجميلية وغير حقيقية··· ومما لاشك فيه أن تغييب المجتمع المدني دفع إلى تهميش دور أبناء المدن وتغليب الثقافة الريفية التي انتمى لها العسكر يضاف إلى ما سبق ذكره ان اقتصادات البلدان العربية ذات الصلة باتت تحت رحمة السلطة السياسية وانعدم دور الطبقات الوسطى والثرية في المدن مما دفع أصحاب الأموال إلى الهروب بثرواتهم إلى خارج الحدود كلما كان ذلك ممكنا·

وعندما يتابع المرء ما ينشر من مذكرات لكبار القادة العسكريين الذين ساهموا في تلك الانقلابات يجد العجاب، حيث إن الفكر التآمري وقيم الطائفية والعشائرية قد طوقت كل فكر سياسي معاصر مثل قيم الوطنية أو الفكر القومي أو الفكر الاشتراكي· لذلك ليس من المستغرب أن نختزل مبادئ الأحزاب والتنظيمات التي وقفت وراء أو ساهمت في إنجاز تلك الانقلابات لتضحى مجرد واجهات لسلطة العشيرة أو الطائفة أو القائد، كما كانت الحال في العراق في عهد صدام حسين·

ومن الأمور المثيرة للشجن أن هؤلاء القادة في ذكرياتهم، لا يخجلون عن ذكر كيف تسنى لهم تصفية خصومهم أو رفاقهم في معاركهم للتسيد على السلطة، وكيف تعاونوا مع أطراف إقليمية من أجل الوثوب على السلطة في بلدانهم··· وإذا كان هؤلاء القادة العسكريون قد أجادوا فن الانقلاب في أوطانهم فإنهم أثبتوا قدراتهم على تحقيق الفشل الذريع في تصديهم للإسرائيليين في الحروب الكثيرة التي أشعلوها دون تخطيط في ظل العنتريات التي أودت بالأمة العربية وسلبتها كل قدراتها وأضاعت أراضيها ونزعت منها كل قدراتها على التفاوض بشرف من أجل استرجاع الحقوق المسلوبة في فلسطين وبقية البلدان العربية مثل سورية ولبنان·

وإذا كانت الانقلابات العسكرية قد عطلت مسيرة المجتمع المدني وأجهضت مشاريع التنمية الاقتصادية فإنها أيضا شوهت المجتمعات العربية وثقافتها ودفعت الشعوب الى الانقسام الى شيع وطوائف وعشائر تتمسك بقيم متخلفة وتتضامن على أسس الأصول وانعدمت القدرة على التأطير على أسس المبادئ العصرية والبرامج السياسية··

ولقد ساهم في ذلك التطور غير الصحي في القيم المجتمعية التحول الاقتصادي الذي دفع الدولة للاضطلاع بجميع الانشطة الأساسية وبعد أن أصبحت رب العمل الأساسي الذي يوفر العمل لمعظم العاملين ويدفع لهم أجورهم ورواتبهم، وأصبح كل مواطن مرهونا بولايته للنظام الحاكم من أجل توفير العيش لأسرته· هذا الاتكال على الاقتصاد الريعي خلق ذهنية العمل الوظيفي وأعدم المبادرة الخلاقة ودفع الحكومات لتحمل أعباء كبيرة في سبيل توفير الوظائف الحكومية· وهكذا أصبح من الطبيعي أن تكون هناك قوائم انتظار للعمل في المؤسسات الحكومية·

لكن حتى مهمة توفير الوظائف والأعمال للمواطنين قد تعطلت بفعل الإنفاق الكبير على العسكرة في مختلف البلدان العربية التي هيمن عليها العسكر· وفي بلد مثل العراق غني بالثروة النفطية وتوفرت له أموال طائلة بفعل الصدمتين النفطيتين في عام 1974 وعام 1979 وتمكن من تحقيق تراكم من الفوائض المالية في عام 1980 بلغ 38 بليون دولار أمريكي، أصبح الآن مدينا نظرا للاندفاع في مغامرات مثل الحرب العراقية الإيرانية وغزو واحتلال الكويت وعدم التجاوب مع قرارات مجلس الأمن الدولي مما أطال أمد الحصار الاقتصادي، هذا البلد الذي توالت الأنظمة الشمولية عليه منذ عام 1958 يعاني من تدهور على المستويات الاقتصادية والإنسانية ويواجه التزامات ديون وتعويضات تصل إلى 380 بليون من الدولارات·

 بطبيعة الحال ليست الأوضاع الاقتصادية وإدارة الأموال العامة في البلدان العربية الأخرى وردية فهي أيضا تواجه مشكلات البطالة وعجز الموازنات وتنامي الديون الداخلية والخارجية والعجز عن تحقيق مشروع تنموي متكامل· وإذا كانت مصر وسورية والجزائر واليمن قد بذلت محاولات لتطوير أوضاعها الاقتصادية فإنها مازالت عاجزة عن تحقيق التحول الهيكلي المنشود نظرا لعدم استيعاب النظام السياسي لمتطلبات الإصلاح الاقتصادي وتكاليفه السياسية والاجتماعية·

لقد مضى أكثر من نصف قرن منذ بداية تولي العسكر السلطة في البلدان العربية وحدثت تغييرات في العالم، خصوصا بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاستقطاب بين الدول الكبرى، لكن لاتزال الأحوال السياسية العربية راكدة وغير قابلة للتحرك··· هناك جيل من السياسيين لا يريد أن تحدث التغيرات المطلوبة والتي تدفع نحو المزيد من المشاركة والتي تسمح بتحديث البنية الاقتصادية وأنظمة التعليم والارتباط بالاقتصاد العالمي، هؤلاء يرون الانفتاح تهديدا لمصالحهم ونفوذهم، هل يستطيع هؤلاء وقف عجلة التطوير ويدفعون بلدانهم نحو المزيد من المخاطر في ظل تنامي التطرف والعنف اللذين يجدان التربة المناسبة في الأوضاع المعيشية المتعسرة؟ أم أن هذه الأنظمة ستجد أن عليها أن تحقق الانفتاح السياسي والتحول الديمقراطي ومن ثم تفقد تدريجيا السلطة التي بنتها على مدى العقود الطويلة الماضية؟ إن التحولات التي بدأت الدول العربية وتزامنت مع شهر يوليو (تموز) قد أكدت عقم الثقافة السياسية السائدة آنذاك، ومازلنا كعرب، ندفع ثمن تلك الانقلابات ونأمل أن نتحرر من تلك الثقافة وما ينتج عنها···

tameemi@taleea.com   

�����
   

مجلس الحكم العراقي:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
العملية التشريعية بين الدكتاتورية والديمقراطية (2-3):
د· طارق علي الصالح*
حرب الخليج الثالثة: حرب الحواسم (2) :
د· راقية القيســـي*
حقوق المرأة السياسية في الفكر القبلي:
خالد عايد الجنفاوي
التعاون بين السلطتين:
أحمد صالح الجميري
لماذا إيران وليس "إسرائيل"؟!!:
عبدالله عيسى الموسوي
لماذا نخشى من ممارسة الديمقراطية:
يحيى الربيعان
لــيــــس تهريباً:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
تحولات تــــمـــوز!:
عامر ذياب التميمي
إنعاش العمل الوطني:
د. محمد حسين اليوسفي
تطبيق القانون:
علي الكندري
لتعارفوا
العراق والعلم:
د. جلال محمد آل رشيد
17 تموز يوم أسود في تاريخ العراق
فشل مخطط تخريبي واسع في العراق:
حميد المالكي
الضمير الإنساني للعالم:
رضي السماك