| لعلعت الزغاريد في منزلنا الذي شعرت أنه يهتز فرحا وسرورا، لم أكن معهم، لذا لم أكن أعرف سر هذه الزفة الاحتفالية السعيدة، هرعت إليهم أستجلي الخبر اليقين وإذا بصورة الشيخ أحمد الفهد الصباح يمسك بقارورتين صغيرتين وابتسامته العريضة تملأ شاشة التلفزيون، تساءلت: خير يا جماعة، ما الخبر؟ تسارعوا في الإجابة بلسان واحد كما "الكورال" لقد تم اكتشاف 35 تريليون لتر مكعب من الغاز، سألني حفيدي الأكبر: ما هو التريليون؟ قلت له: علمي علمك، لست على وفاق مع الأرقام والحساب، وأكره الرياضيات، وتراني مع الأرقام لا أتجاوز العشرة! فإذا سألتني عن الإحدى عشر سأقول لك: إنها عشرة وواحد! انشغل القوم بحدس عدد الأصفار التي تكون على يمين الـ 35 غادرتهم الى ركني الهادئ وأنا أسمع أحدهم يتغنى بعدد الأصفار الأثني عشر التي تليق بحضرة التريليون أطال الله عمره، جاءني حفيدي وصديقي الحميم المسمى على اسمي، وقال: في طفولتك طلع لكم البترول، وفي طفولتي طلع لنا الغاز· قلت: مستنكرا - لنا؟ من تعني بـ "نا" هذه؟ قال: أنا و"جني ونوره" وكل الأطفال الذين هم في سني، كل أطفال الديرة! قلت له - بجدية ووقار يليقان بجد معتبر - الغاز مال عام لكل المواطنين من الجنسين، تماما مثل أي مورد· قال: إذا كان الأجداد قالوا "بس يا بحر" فنحن نقول لكم: بس يا بترول! ألم تشبعوا من خيرات النفط؟ إنكم تنعمون بإيراداته حوالي سبعين سنة، ألم تشبعوا بعد؟ وأردف قائلا: قل لي بالله عليك: ماذا فعلتم بالبترول؟! إنني أسمعكم دوما تلوكون وتجترون مقولة "البترول وفعلته وتركته" وتعلقون على شماعة البترول كل أمر حدث لكم ولم يعجبكم، هب - مثلا - أننا معشر أطفال "بني غاز" سلمناكم إيرادات الغاز من يضمن لنا ألا تفعلوا به مثل ما فعلتم بالنفط؟! هنا كان من واجبي التصدي له فقلت - على طريقة المسلسلات العربية التاريخية: على رسلك، مهلا، لا تلق الكلام مرسلا، وعلى عواهنه يا أخا النفط والغاز، فكل ما تنعمون به الآن وغدا هو من خيرات النفط· كتم ضحكته كادت تفلت منه، وهو يقول: أي خيرات هذه؟ أهي المدارس العتيقة التي تخر منها أمطار الشتاء، والكثير منها آيل للسقوط في أي لحظة، إن أغلب البنية التحتية التي أورثتمونا إياها "موقتة" فالطرق في حالة حفر ودفن بين حين وآخر، والجسور موقتة، وجامعة دولة الكويت وضواحيها ليس لها مجمع يلم شتاتها، ومبعثرة تتوزع على مباني المدارس الثانوية العتيقة! والمخافر حدث عنها ولا حرج، فحالها البائس يغني عن أي مقال، وهلم جرا بشأن بقية المرافق والخدمات!
الحق أن المحروس بالسلامة أفحمني، فطفقت أبلع ريق الحرج، وأطلق زفير الأسى والحسرة، كمحام أسقط في يده، لأن حيثيات دفاعه متهافتة غير مقنعة! الأمر الذي حرض الولد على أن يهتبل هذه الحالة التي أنا فيها ليقول متابعا رشقي باتهاماته الحادة اللاذعة: لقد بحت لك بكل ما في صدري في حدود الكلام المباح الذي لا يثير حفيظتكم، حسبي القول في هذا السياق، إن ما خفي أنكى وألعن وأسوأ مما ذكرته آنفا!
اعتدلت في قعدتي محاولات استعادة هيبتي حيث أريته العين القمعية الحمراء، لكني فوجئت به - هذا القليل الحياء - يمد لي لسانه جهارا نهارا، وبراءة الأطفال قد غادرته وليست في عينيه ولا لسانه! عاود الحديث الصريح غير المريح ليقول: أتعرف شيئا يا أبتاه؟ لو سلمناكم عائدات الغاز ستهرعون صوب الحكومة الرشيدة مطالبينها بإعادة تثمين مساكنكم الموسومة بالنموذجية! قلت له غاضبا: يثمنون بيوتنا؟ لا شك أنك تهرف بما لا تعرف، كيف نبيع دورنا؟ هل ثمة فضاء لبناء مساكن جديدة؟ وين نروح يا ولداه؟!
قال - بشماتة بينة - وين تروحون؟ أهذا سؤال؟ تذهبون الى الديار السياحية التي تحجون إليها في كل عطلة وإجازة! وهب - جدلا - أننا أوصينا الحكومة الرشيدة وتمنينا عليها تثمين بيوتكم الحالية، ماذا ستفعلون بملايين الدنانير؟ عاودتني حالة "الحيص بيص" التي يشعر بها الإنسان المفحم، فبلعت ريقي ولساني ولذت بالصمت، انتهز الفرصة وقال: سأجيب عنك إذا سمحت لي، كأني أراك يا جداه قد أحضرت ضرة لجدتي، وربما تكون مثنى أو رباع! "زأت" في وجهه، وأريته ثانية العين الحمراء المضرجة بالقمع، عله يرعوي ويتأدب، وقلت: أتزوج في هذه السن؟ قال بسرعة: لم لا؟ لقد فعلها أقرانك قبلك، وهو يلوكون مثلك عبارة "يا الله حسن الخاتمة"! وإذا شئت خاتمة زينة لحوارنا فإنها تكمن في أن يكون الغاز لنا والنفط لكم! |