| جمهورية تركيا جار قديم للعرب· فأصلها يعود لقبيلة تركية اسمها اشتق من أول زعيم أكد وجودها في مواجهة السلطنة التركية السلجوقية وكان اسمه عثمان· وفي عهد خلفائه أكدت القبيلة سيطرتها على معظم ما يسمى آسيا الصغرى، أو الأناضول في حين انهارت دول السلاجقة· فهي بالتالي جار قديم يرجع وجوده على حدود الوطن العربي إلى حوالي ستة قرون· كما أن الأتراك لم يطردوا عرباً واستقروا محلهم· فالأناضول لم يكن مهجراً جذاباً للعرب ولم تستقر فيه العروبة يوماً من الأيام· أرضه انتزعت على يد السلاجقة من الامبراطورية الرومانية الشرقية· وكان العرب لذلك يسمون هذا الإقليم أرض الروم أو مملكة الروم (وإليها ينسب الإمام الصوفي الشهير جلال الدين الرومي) رغم انتشار الإسلام بين سكانه· وذلك على العكس من إسرائيل التي انتزعت الأرض العربية بالقوة وطردت كل من أمكن طرده من أرض فلسطين خلال الخمسين عاماً الماضية فحسب·
وفيما عدا الخلافات حول مياه نهر الفرات وحول السيادة على منطقة حدودية (الاسكندرونة التي منحها المحتل الفرنسي لتركيا قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية) ليس ثمة صدام مصالح كبرى أو عرقيات أو عقائد مترسخة· ولذلك لا عجب أن يتطلع بعض العرب إلى مد سياسة "حسن الجوار" والتعاون مع جيرانهم التاريخيين إلى تركيا التي تكاد أن تكون قطراً آسيوياً بالكامل أصلاً وحضارة اللهم إلا شريط محدود من أرض البلقان هو الشاطئ الأوروبي لمضايق البوسفور والدردنيل· ولكن تركيا حزب الاتحاد والترقي، ثم مصطفى كمال نمت في الحياة السياسية للبلاد أمرين كان لهما أبعد الأثر حتى هذه اللحظة الأول هو أن الامبراطورية العثمانية قامت بسيوف الأتراك وفتحت بلاد العرب التي تسرب منها التخلف والفساد والعنف وسائر الآفات التي أودت في النهاية بالامبراطورية العجوز·
وكان حزب الاتحاد والترقي يرفع شعار "الجامعة الطورانية" التي تضم كل الشعوب التركية من آسيا الوسطى والقوقاز إلى حدود أوروبا· وكان الترقي عندهم يعني محاكاة أوروبا· أما مصطفى كمال فقد ذهب إلى أبعد من ذلك وعمل على قيام دولة "علمانية" أوروبية في كل شيء ابتداء من حروف الكتابة إلى إزالة اللحى ولبس القبعة·
واليوم نرى في السياسة الدولية للجمهورية التركية اتجاهاً أساسياً يتفانى في الحصول على قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي ولا يرى لها أي مستقبل آخر· وظن بعض القادة الأتراك أن تركيا العضو في حلف الأطلسي يمكن أن تكون رأس جسر غربياً في التعامل مع شعوب الشرق الأوسط، إن صلة الإسلام وخضوع تلك البلاد في السابق للحكم العثماني يؤهلها لأن تكون أكثر فاعلية من إسرائيل· وحين اختفى هذا الأمل يتحول الموقف إلى التعاون التركي الإسرائيلي ابتداء من آلة الحرب والسلاح إلى محاولة بيع المياه الفائضة من تركيا إلى إسرائيل المتعطشة لها· وتختلف الأحزاب التركية في الأسلوب· فمنها ما يتطلع إلى أسواق الخليج الغنية وليس ثمة ما يمنع التمسح بالإسلام عند اللزوم، ومنها من حاول الذهاب إلى أبعد من ذلك في "التعاون" مع الأقطار الإسلامية، ومنها ما هو أخطر لأنه يملك السلطة الفعلية والكلمة الأخيرة في القضايا المهمة وهو جهاز قيادة القوات المسلحة المنتخب وغير المسؤول أمام الشعب، والمتمسك إلى حد السخف بما يسميه العلمانية والتي تصل إلى مستوى طرد سيدة انتخبها الناس لعضوية البرلمان من موقعها لأنها غطت رأسها وتحجبت، والحجاب خيانة عظمى في نظر التراث الكمالي الذي يتشدق به أولئك الحكام الظلمة· |