| من الأمور المستفزة التي تردد عند العرب نقلا عن الغرب عن انتخاب ياباني مديرا عاما لليونسكو بفضل ما تدفعه اليابان من أموال وكأننا بصدد دولة صغيرة اكتشفت الشركات الغربية فيها كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي أيام الارتفاع المطرد لأسعار النفط وتستخدم عائدات تصدير تلك الثروات الطبيعية في شراء المكانة الدولية· وقد حدث هذا بالفعل في احتلال السعودية مقعدا دائما في بعض المؤسسات الدولية· وبدل أن نفخر نحن أهل الشرق بمكانة اليابان العالية وتلك التي تحتلها الصين ويحتمل أن تلحق بهما الهند، نتبنى واقعيا التعصب العنصري الغربي الذي يجعل عامة الناس في أوروبا وأمريكا يرون أنفسهم خير البشر وأكثرهم علما وثقافة· وننسي استهانة هؤلاء المتعصبين بالعرب وحضارتهم·
ولو راجع مثقفونا أنفسهم وقرؤوا شيئا من الدراسات الدولية لأدركوا قيمة اليابان· فوفقا لبيانات البنك الدولي تحتل اليابان المكان الثاني بعد الولايات المتحدة وقبل ألمانيا في حجم الناتج القومي الإجمالي الذي بلغ في عام 1997 4.8 تريليونات مقارنة بمبلغ 7.7 تريليونات في الولايات المتحدة، ويحكم هذا الفرق الكبير واقع اتساع رقعة الولايات المتحدة في حين أن مساحة اليابان لا تزيد عن %4.1 فقط من تلك الرقعة كما أن بها المقار القانونية لشركات متعددة الجنسية عددها 126 في قائمة الخمسمائة شركة كوكبية التي تنشرها مجلة "فورشن الأمريكية"· ويضاف الى ذلك أن سكان اليابان لا يزيدون عن %47 من سكان الولايات المتحدة· ودون توسع في المؤشرات غير مطلوب في هذا المقام نسأل من يهونون من شأن العلم والثقافة في اليابان هل من المتصور أن يحقق تلك النتائج الباهرة شعب جاهل ومتخلف؟ وربما ساعدتهم على إجابة صحيحة أن نذكر أن تقرير التنمية البشرية عام 1999 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يضعها في المرتبة الرابعة في الترتيب التنازلي للدول على أساس ما حققته في التعليم والصحة وتوفير مياه الشرب النظيفة والصرف الصحي··· الخ· ولا يسبق اليابان في مؤشر التنمية البشرية إلا كندا والنرويج والولايات المتحدة، في حين تسبق هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وسويسرا والسويد وبقية دول أوروبا·
لقد أتاحت لي علاقاتي مع جامعة الأمم المتحدة (ومقرها طوكيو) فرصة التردد على اليابان مرات عدة، كما يسرت لي التعرف على شخصيات أكاديمية أو سياسية مرموقة وتتقن الإنجليزية أو الفرنسية· ومنهم عرفت الكثير· فأول ما يصدم الأجنبي عند وصوله الى طوكيو أنه لا يرى لافتة واحدة مكتوبة بحروف أوروبية، وكل من يحيطون بهم أو يتعامل معهم لا يعرفون من الإنجليزية إلا كلمات معدودات تتصل بالخدمة التي يقدمونها للزائر· وقد عرفت تفسير تلك الظاهرة· فاليابان شديدة الحرص على هويتها الثقافية ولغتها القومية، ولذلك لا تهتم بتعليم اللغات الأوروبية في النسق التعليمي· وفي مقابل ذلك تعيش اليابان اعتمادا على أضخم حملة للترجمة من اللغات الأجنبية الى اليابانية· ويتعذر أن يعثر المرء على عمل علمي أو ثقافي يذكر ليس له نسخة يابانية· وقد عقدت دور النشر عندهم اتفاقات اشترت بها حقوق الترجمة من المخطوط قبل أن يطبع· ونظرا لكفاءة الإنتاج الياباني كثيرا ما تظهر الصيغة اليابانية لكتب قبل ظهور أصلها في الأسواق·ويحدث هذا كثيرا في مجال الكتب الأمريكية·
وأخيرا ليس مدير اليونسكو الجديد مجرد سفير عادي ولكنه مثقف يتقن الإنجليزية والفرنسية وسبق له أن كان أستاذا جامعيا· ولو كلف مثقفونا قبل الإساءة إليه الاطلاع على سيرته الذاتية لما وقعوا في حفرة ترديد ما يقوله المتعصبون الغربيون· ليتنا نهتم بدراسة أوفى لدول الشرق الكبرى أكثر من اهتمامنا بهونج كونج وسنغافورة· |