| تعلمنا في كلية الحقوق أن الجريمة عدوان على المجتمع كله وليس على الضحية وحدها، ويعد النائب العام (كما يدل عليه اللقب) الممثل القانوني للمجتمع المكلف بالتصدي للمجرم حتى وإن لم يتقدم الضحية بشكوى للنيابة، وأيضا حتى لو سحب المجني عليه شكواه أو تنازل عنها· وأساس هذا المبدأ قديم قدم الدولة ذاتها· فمنذ نشأت سلطة سياسية في مجتمع بشري احتكرت سلطة العقاب وضيقت أو ألغت أن يستأدى صاحب الحق حقه بيده· ذلك أن المجتمع (حتى لو كان قبيلة واحدة) لا يستقر إلا إذا وجدت سلطة عامة تتولى فض المنازعات وتنفرد بتوقيع العقاب المقرر عرفا أو دينيا أو بتوافق عام أو قانون في الدولة الحديثة· ويتضمن دستور مصر هذا النص الذي نجده في كل دستور يستحق هذا الاسم "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون"· م66·
ولهذا كانت دهشتي كبيرة حين قرأت في الصحف قرار النائب العام السابق بحفظ التحقيق في جريمة قتل شاب في بحيرة اصطناعية في الساحل الشمالي بسبب تصالح أسرة المتهم وأسرة الضحية على تعويض مالي ينهي القضية· لقد تصرف النائب العام كما لو كان قاضيا ينظر في قضية مدنية ليس لها أي طابع جنائي ومن ثم يجوز لمن رفع الدعوى أن يتنازل عنها· وما كان معروضا على النيابة هو جريمة قتل خطأ لانتفاء سبق الإصرار والترصد الذي يشترط في جريمة القتل العمد· وهذه جريمة في حق المجتمع يجب استكمال التحقيق فيها وإذا تجمعت أدلة بثبوتها في حق المتهم أحالته النيابة الى المحكمة المختصة· وهذه المحكمة لا تملك الإفراج عن المتهم وإنهاء النزاع لأن الجريمة وقعت في حق المجتمع قبل كل شيء· وليس في قانون العقوبات أو قانون الإجراءات الجنائية ما يصرح بعكس ذلك وفي حالات استثنائية للغاية، كان منها جريمة مواقعة أنثى بغير رضاها بلغة القانون إذا تزوج المغتصب ضحيته· وقد ألغي هذا النص مؤخرا والحمد لله· وإذا لم تخني الذاكرة يجوز في الجنح المباشرة المرفوعة من شخص على آخر أن تنهي المحكمة النزاع إذا تنازل المدعي عن دعواه كما في حالة قضايا القذف مثلا·
وما دفعني لطرح هذا الموضوع ما جاء في الصحف من محامي المتهم في حادث كوبري 6 أكتوبر طلبوا التأجيل للانتهاء من مفاوضات مع أسرة الضحية "لتسوية الموضوع"· وهكذا يتكرر وعلى لسان رجال القانون مفهوم مخالف للدستور والقانون ويعني في نهاية الأمر أن الغني يمكن أن يرتكب ما يشاء من جرائم ما دام بوسعه أن يدفع "تعويضا" ماليا يقبله المجني عليه أو أسرته حتى ولو كانت الجريمة قتلا· ويؤلمني أشد الألم أن يدفع ضيق الحال وقلة المال الناس الى التكسب من قتل الابن أو الأخ أو الزوج· لقد عرفت في قريتي بالصعيد حالات ينكر فيها أهل القتيل معرفتهم بالقاتل حتى يستبعدوا الدولة ويقتلوا بأيديهم من قتل عزيزا عليهم بشعار "لا يغسل الدم إلا الدم"· وذلك أساس جرائم الثأر المعروفة· وأعتقد أن للمحامين نصيبا مهما من المسؤولية في إهدار الدستور والقانون لأنهم لا ينبهون أهل الضحية بأن إدانة المتهم جنائيا توفر للضحية أو أهله حق المطالبة بتعويض مدني عما أصابهم من ضرر وليس تعويضهم عن فعلة القتل· وأملي هو أن يناقش المجلس الأعلي للقضاء هذه الظاهرة ويتخذ بشأنها ما يراه مناسبا ليبقى القضاء (والنيابة جزء منه لأنها تتولى سلطة التحقيق التي هي أصلا قضائية) ساهرا على حماية الدستور والقانون· |