| شغل موضوع ما يسمى "الزواج العرفي" الصحف المصرية منذ فترة ليست بالقصيرة· ودارت طريقة النشر حول ما يمكن أن نسميه - بما وصفوه من انتشاره بين الشباب الجامعي - تحايلا لتمرير علاقة غير مشروعة· ثم جاء مشروع قانون إجراءات التقاضي في الأحوال الشخصية، ليزداد اللغط لما ورد فيه من جواز تطليق المحكمة للزوجة بعقد عرفي· وبدا لي أن ثمة شيئا مغلوطا في هذا الحديث في ضوء ما درسته من أحكام الزواج في الشريعة الإسلامية· فرجعت الى مؤلفات أساتذتي من علماء الفقه: الشيخ محمد الخفيف والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ عبدالوهاب خلاف باعتبارها في متناول يدي·
وقد تأكد أن ذاكرتي لم تضع تماما· فعقد النكاح "ما يسمى حاليا بالزواج" ينعقد بشرطين الأول هو العرض والقبول، أي اتفاق الرجل والمرأة كاملي الرشد وبعيدا عن الضغوط· والثاني هو وجود شاهدين لتوفير ركن علانيته عملا بالحديث الشريف "فرق ما بين السفاح والنكاح العلانية"· وقد توسع الفقهاء في دراسة الموضوع واقتراح بعض الشروط· فقد رأى كثير من أهل الفقه استحسان كتابة العقد لضمان استمراره بعد موت أحد الشهود مثلا وتعميما لما جاء بالقرآن الكريم في صدد عقود البيع والاقتراض· ثم أجازوا حلول ولي القاصر محله في التعاقد· وأكدوا هذا فيما يتعلق بالمرأة بالذات التي ذهب بعضهم الى ترجيح قبولها عن طريق وكيل تختاره إذا كانت بالغة عاقلة بدعوى أنها قد تستحي أن تعبر جهارا عن رغبتها· ولا دور لوسيط خارجي في صياغة العقد أو توقيعه في حضرته· فهذا العقد يدخل في باب المعاملات كالبيع والإيجار والعارية·· الخ وليس له طابع ديني خاص ولا تحيط به أية طقوس عبادية· وقد عاش المسلمون قرونا طويلة على هذا الوضع· ومع تقدم الحياة وزيادة الناس وتكاثر تنقلهم ظهرت الحاجة الى "توثيق" واقعة الزواج بلغة القانون المعاصر· ومن هنا ظهر عندنا المأذون فهو شخص بالغ رشيد ويملك قدرا من المعرفة بالشريعة وبشروط عقد الزواج، كانت المحاكم الشرعية تعينه وتعزله· وكان من المفروض أن يسهر على سلامة العقد واتفاقه مع قواعد الشريعة· وبعد إلغاء المحاكم الشرعية كان من الوارد أن يكون التوثيق في مكتب الشهر العقاري والتوثيق· ولكن رأت الحكومة من باب تسهيل الأمور على المواطنين أن يفوض الشهر العقاري المأذون بدوره في التوثيق· وهو مكلف قانونا بإرسال صورة من العقد الى مكتب الشهر العقاري·
ومن ناحية أخرى، نصت لائحة إجراءات المحاكم الشرعية على عدم الاعتداد بعقد الزواج غير المحرر على النحو الوارد بها· ومعنى ذلك أن العقد العرفي ملزم لطرفيه ولكن كليهما عاجز عن المطالبة بحق يولده له هذا العقد أمام القضاء· ومن المفروض أن المصلحة العامة تقتضي اتباع الإجراءات القانونية· ولا يدان العقد العرفي ذاته إلا إذا اتخذ كصورة لعلاقة مؤقتة بين الطرفين، كما هي الحال في زواج المتعة الذي لا تقر به مذاهب أهل السنة وإن أقره بعض فرق الشيعة· |