|
أهم ما يفزع في الانتخابات الأمريكية هو التكاليف الباهظة للحملات الانتخابية· وقليل من أبناء العالم الثالث، وخصوصاً المحرومين حتى الآن من الديمقراطية، لا يدركون الحجم الهائل من المال الذي يُنفق حتى على انتخاب عمدة مدينة أو حاكم ولاية ناهيك عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية· ويجب أن نعرف آليات الانتخاب ووسائل الدعاية للمرشحين ودور الحزبين المنفردين بترشيح الرئيس ونائبه منذ نشأة الدولة تقريباً (1774) وحتى الآن·
وإذا بدأنا من القاعدة، يملك كل مواطن أمريكي حق الانتخاب· ولكن العرف جرى على ضرورة أن يسجل المواطن نفسه مقروناًَ باسم الحزب الذي ينتمي إليه في جدول الناخبين ليمارس هذا الحق بالفعل، ونسبة من لا يشاركون في الانتخاب كبيرة وقد تزايدت في العقود الأخيرة، ويكون على اللجنة المحلية لكل حزب حث المواطنين على تسجيل أسمائهم وانتمائهم الحزبي، وبطبيعة الحال وسائل الحث كثيرة ومتنوعة تستند إلى المنفعة أكثر مما تستند إلى اختيار سياسي· وعلى الطرف الآخر، يوجد عدد من الشخصيات الراغبة في الترشيح لمنصب الرئيس، وفي العادة لا يتجاوز عددهم ثلاثة أو أربعة، ويذهب المرشحون إلى كل ولاية ليعرضوا مزاياهم ونواياهم على مؤتمرات الحزب في الولايات التي يحضرها من يشاء من الناخبين المسجلين باسم الحزب، ويتساقط بعض المرشحين تدريجياً وفقاً لحظ كل منهم في عدد من الولايات، ويتكرر ذلك حتى يتضح أن فرص نجاح مرشح معين أكبر من غيره فيعلن الحزب أنه مرشحه الوحيد· وللقارئ أن يتخيل الأموال التي تحتاج إليها كل تلك التنقلات والمؤتمرات وما يصاحبها من احتفالات صاخبة للرقص والموسيقى والطعام بل والملابس التي تحمل اسم المرشح·
ومن ثم، فإن من يريد الترشيح عليه أن يحوز رضاء من يمولون الحزب، ولكن عليه أيضاً أن يتأكد من قدرته- مع قادة الحزب الآخرين- على تدبير ما لا يقل عن 500 مليون دولار· وعليه أن يعلن في عشرات من محطات التلفزيون وآلاف من محطات الإذاعة، بل إنه يدفع لتلك المحطات مبالغ لا يستهان بها حتى تنشر صوراً من تحركاته والاجتماعات التي يعقدها، ولا بد من عدد من الطيارات الخاصة (أو المستأجرة بالكامل) لنقل المرشح ومستشاريه، وكبار مؤيديه للتجوال بين 50 ولاية· وهو قد يزور أكثر من مدينة في الولاية الواحدة أو يكرر الزيارة· وبديهي أنه لا يملك المبلغ المطلوب حتى إذا كان بالغ الثراء لأنه يجازف عندئذ بفقدان الثروة إذا خسر الانتخاب، وهناك عدد من أصحاب الثروات الموروثة الذين يتبرعون للمرشح بمبالغ كبيرة نظير خدمة شخصية كانت تقليدياً منصباً محترماً (سفير مثلاً)، وأشهر من فعل هذا مؤسس أسرة كنيدي الذي عُين مقابل ما دفع سفيراً في لندن، ولكن المصدر الرئيسي الذي يدفع دون ألم هو الشركات الكبرى، ويعرف عن بعضها تأييد هذا الحزب أو ذاك، ومنها ما يدفع للحزبين ليؤمن مودة الرئيس أياً كان حزبه·
وخلاصة هذا كله، أن رئيس الولايات المتحدة مدين بمقعده للرأسمالية الكبيرة وشركاتها ولم يتمتع بشيء من الاستقلال إزاء "رجال الأعمال" في القرن العشرين إلا روزفلت وكنيدي وكلاهما من أسرة واسعة الثراء، وقد فرض الأول برنامجه الاجتماعي مما أكسبه شعبية خاصة فانتخب ثلاث مرات، أما الثاني فقد قتل ولم يكمل مدته الأولى·
وماذا عن مصر وهي مقبلة على انتخابات مجلس الشعب، وبالذات بعد الخطوة المهمة التي اتخذت لتوفير إشراف قضائي على عملية الاقتراع· أحسب أن المال سيلعب فيها دوراً حاسماً في أشكال كثيرة: التبرع للحزب الذي يرشحه، دفع مبلغ محترم لمرشح منافس لكي ينسحب من الترشيح أو يقبل مقدماً عدم جمع الأصوات الكافية التي تؤهله للانتخاب أو الإعادة، شراء الأصوات إما مباشرة من الناخبين أو عن طريق رشوة أصحاب النفوذ، استئجار بلطجية لإحداث شغب يعطل عملية التصويت في بعض اللجان الفرعية· والمفسدون إخوان الشياطين، لا يعدمون وسيلة للإفساد، وعلى كل الأحزاب المعارضة وكل المرشحين الشرفاء أن ينتبهوا لهذا الخطر غير المألوف في مصر بقدر كاف·
|