| كان أهم ما أوجع إسرائيل من المواقف العربية، من 1948 إلى 1973، المقاطعة الاقتصادية لها ولمن يعمل معها من شركات أجنبية· وقد اكتشفت من دراسة الأوضاع الاقتصادية للدولة الصهيونية ندرة الاستثمار الأجنبي المباشر فيها، في مقابل تزايد الهبات والمعونات المالية، وكنت أحسب العكس تأسيساً على دور اليهود في الاقتصاد العالمي وحرصهم على دعم محاولة إلغاء أكثر من ألفي سنة من التاريخ وبعث الدولة العبرية الأسطورية· ولكن التفكير الهادئ أعطاني التفسير· فليست سوق إسرائيل الصغيرة (4 ملايين نسمة) مغرية لاستثمار شركات كبرى تعلم أنها لو استثمرت فيها تفقد مجموع الأسواق العربية· ومن ثم كانت تلك الشركات تشارك في تمويل إسرائيل بعطايا غير مردودة· وفي الولايات المتحدة كانت الوسيلة المفضلة وغير المعلنة هي الاكتتاب في سندات الخزانة الإسرائيلية، عن علم بأن تل أبيب لن تسدد قيمتها· وساعد على ذلك أن واشنطن منحت تلك السندات الإعفاءات المقررة لسندات الخزانة الأمريكية، من حيث خصمها من وعاء الضريبة· ولا يقلل من فعالية سلاح المقاطعة ما أشيع عن "مكتب المقاطعة العربية" من أخطاء أو حتى حالات فساد، ولا تحايل للشركات الكبرى بالتعامل مع إسرائيل من خلال شركة تابعة موجودة على الورق فقط، وأمثلة هذا التحايل كثيرة·
وتعلم إسرائيل أن العطايا والمنح سيتدنى مستواها إذ ما تبدد وهم أن إسرائيل في خطر شديد مصدره الدول العربية التي تريد تدميرها· ومن ثم كان تركيزها الشديد في مفاوضاتها مع الأطراف العربية على إبراز حرية المعاملات المالية والتجارية (أي فتح الأسواق العربية أمام ما يصدر من إسرائيل اليها) وما أسمته التطبيع· فالكلمة ذاتها مضللة لأن العلاقات الطبيعية بين الدول لا تفرض "التعاون الاقتصادي" أو الاستيراد من سوق معينة· فالعلاقات بين مصر والبرازيل مثلاً علاقة طبيعية ومع ذلك فالتجارة بين البلدين لا تذكر· أما ما تريده إسرائيل فهو "التطويع" أي وضع اقتصاد العرب في خدمة الاقتصاد الاسرائيلي بحيث تصبح الدولة الصهيونية "الوكيل العام" للشركات الكبرى التي تستثمر في بلادنا أو تتاجر معها وأن يضع الاسرائيليون خبرتهم المشهود بها في الأنشطة المالية لإدارة أموال أغنياء العرب· وأكمل تعبير عن هذا التصور الصهيوني كان "مشروع الشرق الأوسط" الذي اقترن باسم شيمون بيريز فدفنه باراك والحمد لله·
وقد صدم رد الفعل الشعبي واسع النطاق في مقاومة التطبيع أصحاب هذا الحلم· وأدرك قادة اسرائيل أن أكثر الحكومات استبداداً لا تستطيع أن تفرض على الناس ما يأكلون أو يلبسون· ومن هذا لجأ القوم إلى التسرب إلى اقتصاد مصر مثلاً· فلدينا الآن رجال أعمال اسرائيليون وشركات اسرائيلية وأخرى مشتركة· ويرى بعض وزرائنا أن لدى اسرائيل خبرات كثيرة يمكن أن نتعلم منها، وهناك شباب عاطل لا يكاد يجد لقمة العيش، فيذهب للعمل في اسرائيل· ويعزز ذلك كله نشاط ثقافي يأتي في معظم الأحوال في ثوب أمريكي يستهدف تصفية "الشمولية الناصرية" التي -في رأيهم- صنعت العداء لإسرائيل· وهو موجه أساساً إلى الأجيال الشابة· وقد نعود يوماً إلى حديث مفصل حول هذه الأمور· والذي يعنينا الآن هو نفي مفهوم أن البديل الوحيد للعمل العسكري هو السلام والمحبة· وإبراز أن بيد الشعوب العربية أسلحة للضغط على إسرائيل والإضرار بها· علينا أن نعيد النظر فيها وتطوير استخدامها وتنويعها· |