| كانت غزوات الفرنجة للمشرق العربي والتي بدأت عام 1096 أولى محاولات أوروبا لاستعمار أجزاء مهمة من الوطن العربي· وقد أطلق عليها بابا الفاتيكان أوربانوس الثاني اسم الحملة الصليبية وسلم قادتها علم القديس بطرس ليقنع عامة الناس الفقراء أن يسيروا في ركاب أمراء الإقطاع ليغفر الله لهم كل ذنوبهم ويفتح لهم أبواب الجنة· وقد أخطأ المؤرخون العرب في العصر الحديث حيث أغفلوا الوصف الذي جاء في كتب المؤرخين العرب الذين عاصروا تلك الغزوات الثماني التي توالت على أرض الشام وفلسطين طوال ما يقارب قرنين· وفي أولى تلك الغزوات نجح أمير ألماني (جودفري) في دخول القدس في 1099 وأترك للموسوعة البريطانية وصف موكب النصر:
"كانت المذابح رهيبة· جرت دماء المغلوبين في شوارع المدينة حتى ارتفع مستوى الدم ووصل الى ركب من سار فيها· ولما حل المساء اندفع الصليبيون يبكون من فرط الضحك بعد أن أتوا على نبيذ المعاصر، الى كنيسة القيامة ووضعوا أكفهم الغارقة في الدماء على جدرانها ورددوا الصلوات"·
أعلن جودفري قيام مملكة القدس اللاتينية· ونصب نفسه أول ملك لها· وصفة اللاتينية كانت في ذلك الزمن تعني القسم الغربي في أوروبا من إيطاليا الى المحيط الأطلسي، إذ كان القسم الشرقي قد غلبت عليه اللغة اليونانية وكان أصلها في الامبراطورية الشرقية وعاصمتها القسطنطينية بعد أن تحولت من اسمها الرسمي الامبراطورية الرومانية الشرقية· وهو الاسم الذي جعل العرب يطلقون عليهم "الروم" وقد أشار ابن خلدون الى التمييز بين الروم واللاتين في كتابه الشهير·
ولكن ما تخيل الفاتح عن مملكته أثار غضبا وغيرة في صدور بقية أمراء الإقطاع الموجودين في مواقع مختلفة من أرض الشام وفلسطين· كما لم تحصل لهذا السبب على مباركة الفاتيكان· وفي الوقت ذاته كان الاحتلال الأوروبي في كل موقع محل عمليات المقاومة له· لقد وقع بعض الأمراء العرب في معاملات لم تكن كلها شريفة ولكن الجماهير العادية قاومت· ولا بد من الإشارة هناك للقبائل البدوية التي جاءت من المناطق الصحراوية يغيرون ثم يرتدون الى حيث لا يجرؤ الفرنجة على تتبعهم· وثمة وصف شيق لذلك في كتاب الأديب والمؤرخ اللبناني أمين معلوف في مؤلفه "الحروب الصليبية كما رآها العرب" الذي نشر بالفرنسية ولاقى رواجا كبيرا وترجم الى الإنجليزية والعربية·
وأخيرا انهارت المملكة المنهكة حين حرر صلاح الدين القدس في عام 1179، أي بعد 78 سنة· وإن في هذا التاريخ دروسا يجمل بنا أن نتذكرها في هذه الأيام· |