| كان القانون المصري حتى أوائل السبعينيات يقضي بإسقاط الجنسية المصرية تلقائيا بمجرد حصول المواطن على جنسية أخرى· وفي الأصل لم يشد التشريع المصري عن قواعد سائدة في غالبية الدول، كما كان فقهاء القانون الدولي الخاص ينبهون الى أمرين واجبين في هذه القواعد، الأول تفادي تعدد الجنسية، والثاني تفادي ظاهرة عديم الجنسية، ولكن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية اتجه إلى تخفيف القيود على الجمع بين جنسيتين· وذهب التعديل في القانون المصري من تشدد بالغ إلى تسامح مفرط حيث قضى بجواز حصول المصري على جنسية أخرى دون قيد أو شرط·
وقد أسرعت أعداد كبيرة من المصريين العاملين في الخارج للاستفادة من هذا التعديل· منهم من كان قد اكتسب جنسية أخرى من قبل وجاء يطالب بجواز سفر مصري· ومنهم من كانوا محافظين على جنسيتهم رغم كل المشاق التي يلقونها في دولة الإقامة والعمل وفي التنقل بين بلدان ألغت تأشيرة السفر لكل رعاياها· وأعرف زملاء أعزاء يقيمون في فرنسا أو ألمانيا أو بريطانيا من هذه الطائفية الثانية· تحملوا كل المشاق ولم يطلبوا التجنس إلا بعد أن أباح القانون المصري الجمع بين الجنسيتين· ولا يتصور أن يكون حصول مصري على جنسية أخرى جريمة أو خيانة للوطن، فالدستور نفسه قد أكد حق المواطن في الهجرة· ونحن في مصر نحتفي كثيرا بمن يبرزون علميا أو مهنيا· وكانت الحكومة المصرية وأجهزة الإعلام تصبغ لقب "علماؤنا في الخارج" حتى ولو كانوا غير مبرزين· وأذكر أنني قلت للدكتور محمود فوزي حين كان رئيسا للوزراء: هل تقتصر صفة العالم على من غادر مصر ولا تضفي على من أفنى حياته العلمية وتعدت شهرته حدود الوطن؟ وأشهد بأن الرجل الكبير طلب أن يكون المؤتمر السنوي "للمصريين في الخارج"· وواقع الأمر أن عددا كبيرا من المهاجرين دفعهم الى الهجرة الحرص على البحث العلمي حيث تتوافر لوازمه وأدواته ومناخه العام، ولم يكن المال العامل الحاسم في قرارهم· ويضاف الى ذلك واقع الزيجات مختلطة الجنسية وما تتيحه للأولاد، فيما عدا مصر حتى الآن، من الجمع بين جنسيتي الوالدين· وكل مواطن حر في اختيار مهنته ومكان إقامته والمجتمع الذي يروقه بلا لوم أو ترتيب·
أما العيب كل العيب فهو إخفاء الواقعة عن الناس· فالإنسان لا يخفي إلا عيوبه وهذا ما يثير تساؤلات عن سبب التخفي، هل هو في ظروف الحصول على الجنسية الأخرى؟ فهل اشتراها (حصل عليها بالرشوة) أو مقابل خدمات أداها للدولة الأجنبية وكان فيها ما يضر مصر أو ما يستحي منه الرجل الشريف؟ أما قضية جواز الترشيح في انتخابات مجلس الشعب أو غيره فإنني أتركها حتى يفصل القضاء فيها، لأن لها جوانبها القانونية التي يعرفها أهل القانون المختصين·
وليطمئن القارئ· فكاتب هذه السطور صعيدي مصري عربي مرتبط بتلك الجذور رباطا لا فكاك له· اغترف من حضارة الغرب دون أن تسكره· تحمل السجن ورفض المنفى· واعتذر عما عرض عليه من مناصب مهمة في الأمم المتحدة ومنظماتها ونشط تطوعا في منظمات دولية غير حكومية· |