| أثارت مؤشرات أسعار البورصات الكبرى في ختام عام 2000 بعض القلق· وأوضح المحللون أن متوسط أسعار الأوراق المالية عن السنة المنصرمة في تلك الأسواق كان أقل من مستواه في العام السابق· والجديد في الأمر هو انخفاض أسعار أسهم الشركات الألكترونية أو ما يسمى في الولايات المتحدة "الاقتصاد الجديد" الذي له في بورصة نيويورك مؤشر خاص اسمه "نسداك" متميز عن مؤشر داو جونز الشهير والذي يعكس أسعار أسهم الشركات الصناعية والمالية· فقد هبطت، بدرجات متفاوتة أسهم أهم الشركات التي تصنع الحاسوب وتلك التي تؤلف له البرمجيات اللازمة لتحقيق الاستفادة المتزايدة جنبا الى جنب مع تطور صناعات الآلات· ويدخل أيضا في هذا المجال شركات خدمات الإنترنت· ويذكر من ذلك أ ب م، مايكروسوفت· يا هو "وأمريكا على الخط"·
ومن المعروف أن هذه الشركات كانت قاطرة ارتفاع أسعار الأسهم في السنوات العشر الأخيرة عبر التقلبات اليومية· وكانت إدارة كلينتون تتباهى بهذا الرواج ومضاعفاته الاقتصادية في قطاعات أخرى· وقد تناقص عدد طالبي العمل وتراجعت نسبة البطالة وتزايد الاستهلاك بصفة عامة وتبعته زيادة في الإنتاج والأرباح· وكان لما يجري في بورصة نيويورك انعكاساته على بورصات لندن وباريس وفرانكفورت وطوكيو وسيئول وسنغافورة· وكذلك في بعض بورصات أمريكا اللاتينية الأقل أهمية·
وقد أضيف الى هبوط البورصات تراجع في حجم المشتريات في فترة التسوق الكبرى بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة التي يسبقها ببضعة أيام عيد "حانكوكا" اليهودي الذي يحتفل به على نطاق واسع في الولايات المتحدة· وأعلن عدد من الشركات تخفيض الأرباح المتوقعة عن الفصل الأخير من السنة والفصل الأول من 2001· وليس معنى كل ذلك أن الرأسمالية في أزمة حادة أو أنها تعجز عن تجاوزها بثمن يدفعه العاملون "البطالة وتخفيض الأجور·· الخ"· وواقع الأمر أن الرأسمالية عرفت في تاريخها طوال القرن التاسع عشر وحتى اندلاع الحرب العالمية الثانية الكساد بمعدل مرة كل عشر سنوات في المتوسط وعرفت باسم الأزمات الدورية· وشهدت فترات الكساد إفلاس أعداد كبيرة من الرأسماليين وزيادة في البطالة وانخفاض الأجور وتضخم حجم الفقر· وكان الاقتصاديون الأكاديميون يؤكدون أن السوق سوف تستعيد توازنها بآلياتها الموضحة في الكتب الجامعية، كما عارضوا باستمرار أي تدخل من الدولة سيعقد الأمور ويؤخر عودة الرخاء·
ولكن "الكساد الأعظم" الذي بدأ بانهيار بورصة نيويورك في 1929 واستمرت آثاره الفادحة حتى أواسط الثلاثينيات دفع الى إهمال ما زعمه الاقتصاديون وحتمية تدخل الدولة· وكان المثال الجيد لهذا سياسة الرئيس روزفلت "الصفقة الجديدة" وإنفاق المال العام في مشروعات "الأشغال العامة" التي تخلق فرص عمل دون إنتاج سلع، أي تضيف قوة شرائية تزيد من الطلب دون زيادة في المعروض وبالتالي ترفع الأسعار وتحقق الأرباح وتدفع بالرأسمالية الى زيادة الإنتاج والعمالة· ويذكر على سبيل المثال شبكة الطرق السريعة الفيدرالية التي تربط كل المدن الكبيرة والمتوسطة ببعضها البعض وقد توافق ذلك مع نجاح فورد في إنتاج "سيارة" صغيرة رخيصة الثمن وانتشار ملكية السيارات بين الطبقة الوسطى· وكان المثال المدمر هو ما فعله هتلر من حشد العمال المتعطلين في الصناعات العسكرية استعدادا لحرب عالمية ثانية تفرض هيمنة "الرايخ الثالث" على أوروبا ومستعمراتها·
وكان للاقتصادي البريطاني الشهير ج· م· كينز الفضل في صياغة نظرية تقنن تدخل الدولة لإنقاذ الرأسمالية والمجتمع من أخطار جسيمة· ودون أي محاولة لشرح الكينزية في هذا المقام نذكر أنها أسقطت مقولة أساسية في النظرية الكلاسيكية السائدة· فتلك النظرية تزعم أن آليات السوق تنجح دائما في تحقيق التوازن ومن عناصره العمالة الكاملة· وقد أثبت كينز أن التوازن يمكن أن يتحقق عند مستوى معين دون استخدام كامل للعمالة، ولا يصلح الحال إلا بتدخل فعال من الدولة· وتلي نشر كتاب كينز ما نشره ثلاثة اقتصاديين أكاديميين من أن السوق في الثلاثينيات لم تكن سوق منافسة كاملة ولكن "منافسة احتكارية"·
هل لي أن أدعو المتحمسين لاقتصاديات السوق الى تذكر شيء من هذا في الوقت الذي تنشط فيه في الولايات المتحدة المدرسة الكينزية الجديدة "والمدرسة المؤسسية الجديدة" ومدرسة الماركسية الجديدة؟ |