| تعلمنا في صبانا - ونحن ندرس القانون الدستوري - أن الديمقراطية نوعان: مباشرة ونيابية، ونقلا عن الفقه الأوروبي أن الديمقراطية تعني أن يحكم المواطنون أنفسهم بأنفسهم، أي اختفاء التناقض بين حاكم ومحكوم أو آمر ومطيع منفذ· وقيل لنا إن هذا كان أمرا واقعا في بلاد اليونان القديمة، والمثل الذائع عنه كان أثينا حيث كان مواطنو المدينة - الدولة يلتقون في ساحتها المسماة في لغتهم "أجورا" للبحث والبت في شؤون دولتهم الصغيرة، والواقع التاريخي يخالف هذه الصورة المثالية· ولكن مفكري عصر النهضة ثم عصر التنوير كانوا يعتقدون أن الحضارة الأوروبية هي وحدها التي تستحق هذا الاسم وإن غير الأوروبيين متخلفون أو بدائيون، وفي هذه الأيديولوجية العنصرية قالوا إن الحضارة الإنسانية نشأت في بلاد اليونان القديمة وشغفوا بكل ما حدث فيه حتى أساطير اليونان دخلت في آدابهم، ثم انتشرت تلك الحضارة على أيدي الرومان الذين حكموا حوض البحر المتوسط، ثم تراجعت في عصر الظلمات أو ما يسمى القرون الوسطى التي استمرت من سقوط روما في يد "البرابرة الجرمان" في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد الى انتخاب شارلمان امبراطوراً لرومانيا في عام 800 ميلادية· وبدأت انتقالاتها البراقة من عصر النهضة (القرن الخامس عشر) واطرد تقدمها وتأكد تفوقها يوما بعد يوم حتى زماننا هذا· وحقيقة الأمر أن الذين كانوا يجتمعون لممارسة الحكم أقلية قليلة تتكون من ملاك الأراضي الزراعية والعبيد الذين يزرعونها ويخدمون سادتها· أما التجار الصغار الصناع الحرفيون فمبعدون حتى لو كانوا أحرارا من الرق·
أما الديمقراطية النيابية فهي النمط السائد· وقد استقر بوضوح حين أسقطت الثورة الفرنسية الملكية المطلقة· وكان الملوك يؤكدون أن لهم حقا إلهيا في العرش ومن ثم لهم السيادة على الأمة· وصحب إعلان الجمهورية بالضرورة تحديد لمصدر السلطات، فقالوا إنه الأمة· ولما كان من غير المتصور أن تجتمع الأمة فتمارس تلك السلطات قالوا إنها تمارسها من خلال عدد من المواطنين المنتخبين لينوبوا عنها، وهي تحاسبهم في كل دورة انتخاب برلماني تسقط من تشاء وتعيد الى البرلمان من تشاء· وترتب على مفهوم النيابة عن الأمة أن النائب يمثل الأمة جمعاء وليس الدائرة التي انتخب فيها وهو مسؤول أمام الأمة كذلك· وكان مبدأ فصل السلطات جوهريا لأنه الضمان الأساسي لعدم استبداد مجلس منتخب بالسلطات جميعا· وفي التطبيق ظهر نظامان كلاهما ديمقراطي: الرئاسي والبرلماني وتجسد الأول قبل الثاني حيث تبنته الولايات المتحدة الأمريكية عند تخلصها من سيطرة العرش البريطاني وبروح عملية وضع الأمريكيون السلطة التنفيذية في يد شخص واحد حر في اختيار معاونيه· ولكنهم جعلوا مدة الرياسة 4 سنوات فقط يعود في نهايتها للشعب حقه في انتخاب رئيسه· وجعلوا الكونجرس بمجلسيه الشيوخ (ممثلو الولايات بواقع اثنين لكل منها) والنواب المنتخبون وفقا لأعداد الناخبين في كل دائرة، ولا يستطيع الرئيس الأمريكي أن ينفق دولارا واحدا من المال العام بدون موافقة الكونجرس، ومن ثم يحد البرلمان وحده من سلطة الرئيس التي تبدو واسعة· واكتمل الفصل بين السلطات بإنشاء "المحكمة العليا" من 9 أعضاء لا تنتهي مدة الواحد منهم إلا بالموت أو برغبته في التقاعد، وقد حاكت دول أمريكا اللاتينية هذا النظام الرئاسي دون نجاح يذكر لأسباب كثيرة لا يتسع المقام لعرضها·
أما النظام البرلماني فقد استقر في معظم الدول الأوروبية وجوهره أن السلطة التنفيذية في يد مجلس الوزراء بقيادة رئيسه، ويتشكل من بين أعضاء البرلمان عادة· فهم نواب حاصلون على ثقة نواب الشعب· ويقابل ذلك أن رئيس الدولة - ملكا كان أو رئيس جمهورية - رمز للدولة ليس له أي نصيب من السلطة التنفذية· وحتى ما يصدر بقرارات منه أعدته الحكومة ولا يملك رئيس الدولة إلا التوقيع أيا كان رأيه الشخصي، حتى منح الأوسمة والألقاب الذي يصدر رسميا عن ملكة بريطانيا يعد بمعرفة الحكومة، ورئيسها بالذات له كلمة حاسمة في الأمر·
وأخيرا ظهرت دساتير تحاول الجمع بين النظامين وتعطي لرئيس الدولة صلاحيات محدودة أو واسعة مع وجود برلمان منتخب وحكومة يشكلها رئيس الوزراء مسؤولة أمام البرلمان· وفي حدود علمي كان دستور 1956 في مصر الأول من هذا النوع شكلا على الأقل، إذ أعطى لرئيس الدولة صلاحيات واسعة· ثم صدر دستور ديغول في 1958 وهو يعطي لرئيس الدولة الكلمة الأخيرة في مجالي السياسة الخارجية والدفاع بالذات، كما أن له حق دعوة الشعب الى الاستفتاء· وفي هذا النوع من الدساتير ينتخب الشعب رئيس الجمهورية في حين كان العرف في النظام البرلماني أن يختاره أعضاء مجلس البرلمان مجتمعين·
تلك حدود الديمقراطية النيابية ونحن نريد أن نقرب الحكم من الجماهير بإضافة أشكال مختلفة من مشاركة المواطنين في صنع القرار نريد ديمقراطية المشاركة· |