| حين بدأت الكتابة في "الأهالي" تحت عنوان "ألفاظ ومعان" كنت أضيق بظاهرة انتشرت في أيام السادات، ألا وهي تسمية الأشياء بغير أسمائها· ومن المؤلم أن نستقر في خطابنا الإعلامي والسياسي تعبيرات مضللة· فحين تنخفض قيمة الجنية نقول "أزمة الدولار" مع أن الأزمة في عملتنا وليست في عملة الولايات المتحدة الأمريكية· ومن أسوأ الأمثلة على الأسماء المغلوطة الحديث عن "الحكم المحلي"· فمصر لم تعرف الحكم المحلي أصلا أيا كان الفكر السياسي الذي أنشأ هذا النظام، وانقضت عقود من الزمن دون استكمال المشروع الذي طرح وقتها· فلم ينتخب الناس "المجالس الشعبية" التي تمارس سلطة فعلية والتي تسأل عن أدائها أمام الناخبين· وتحت اسم "الحكم المحلي" تضخم جهاز الدولة بعدد كبير من الموظفين في سلك إداري جديد له درجاته وحركات تنقل في داخل المحافظة الواحدة أو من محافظة الى أخرى·
والحكم المحلي الحقيقي يبدأ من القاعدة بمجلس بلدي (مشتقة من بلد) في كل مدينة أو قرية، يشكل بالانتخاب المباشر، كما ينتخب العمدة الذي يرأسه، وللمجلس صلاحيات في إدارة البلد له فيها القول الفصل وصلاحيات تفاوضية أو تشاورية مع البلديات المجاورة أو على مستوى الوحدة الإدارية الأكبر (المحافظة مثلا)، وللمجلس موارده الخاصة بعيدا عن ميزانية الدولة، فله أن يفرض ضرائب أو رسوم· وما يدفعه المواطنون منها يحملهم على الاهتمام بنشاط المجلس ومحاسبته على أدائه وإمكان التغيير في تشكيله في الانتخابات الدورية· والسبب في كل ذلك هو أن المواطنين في القرية أو الحي في المدينة يعرفون ما يواجههم من مشكلات يتعين على المجلس أن يعالجها، بل ويعرفون أحيانا طرق حلها· ويعين المجلس العدد اللازم من الشرطة التي تخضع للعمدة وللمجلس وليس لوزارة الداخلية·
والمجلس البلدي على هذا النحو مدرسة يتدرب فيها كل من يزمع الاشتغال بالسياسة حتى أعلى المستويات· وفي فرنسا رأيت هذا النظام على الطبيعة ورأيت أن كل الوزراء بدأوا حياتهم السياسية بالنجاح في الانتخابات المحلية، وربما أيضا الانتخاب الى منصب العمدة· ولما كان القانون الفرنسي حتى الآن يجيز الجمع بين منصبين سياسيين، يحتفظ بعض كبار السياسيين بمنصب العمدة، حتى إذا كانوا وزراء أو رئيس وزارة· وعلى أية حال ندر أن يرشح سياسي نفسه لعضوية البرلمان دون أن يكون قد مر بتجربة الحكم المحلي· ويلي هذا المستوى القاعدي حكم المحافظة· فهذا أيضا مجلس منتخب يرأسه مواطن منتخب· أما المدير الذي تعينه الحكومة فهو ممثل الدولة لدى المجلس·
ويكمل الوضع الديمقراطي أن رئيس الوزراء والوزراء أعضاء منتخبون في البرلمان· وهكذا نرى أن مبدأ السلطة بيد الأمة يمارسها باسمها مسؤولون ينتخبون على درجات: المواطنون العاديون ينتخبون أعضاء مجلس الشعب ويغلب أن يكونوا قد انتخبوا من قبل لعضوية المجالس البلدية، والوزراء أصلا منتخبون أعضاء في البرلمان·
إن تاريخ الدولة المركزية في مصر عريق وطويل، ونحن نتمتع بسيطرة البيروقراطية من أيام مينا وحتى هذه اللحظة وطريق كسب قضية الديمقراطية معقد والعقبات الموروثة كثيرة· وهذا ما يجب أن يحملنا على النضال من أجل الديمقراطية المحلية لنشر ثقافة وممارسات حكم الشعب للشعب· |