| سمعت أن نفرا من الرقابيين انتزعوا ديوان أبي نواس من معرض الكتاب· وإذا صح ذلك الخبر يكون إعلانا عن جهل الرقابيين بتراثنا الأصيل وجهل من أرسلهم أكبر· فالحسن بن هانئ الملقب بأبي نواس من أصول شعبية متواضعة تسكن خوزستان· طلب العلم في البصرة والكوفة، بدأ بدراسة النحو، وقد لفت ذكاؤه اللماح العلماء وطلاب العلم· واستقبل في دوائر الأدب والفلسفة الرفيعة - وقد سار على سنة أساتذته فقضى بضع سنوات مع قبائل البدو في الصحراء ليجيد النطق العربي الأصيل بعد أن أثرت ألسنة غير العرب في لسان أهل بغداد· وكان من صغره شاعرا موهوبا· وهذا ما حمله - كما حمل شعراء كثيرين - على الرحيل الى عاصمة الخلافة العباسية· وسرعان ما ذاع صيته وجذب اهتمام هارون الرشيد به فأذن له بالتردد على دار الخلافة·
وانتشر شعره وناظر غيره من الشعراء· وعدّه علماء اللغة ودارسو الشعر في كل عصوره واحدا منهم بل أفردوا له مكانا متميزا· وقد كتب معاصروه ومن تلاهم في مؤلفاتهم تحليل عوامل الجمال في اختيار الألفاظ وسبكة القصيدة· وعلى سبيل المثال فتحت كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة المكرس كأول وأدق من أرّخ ونقد كل من ذاع له اسم أو اشتهر بقصيدة يستشهد بها· ولم أبحث فيه عن شعر لأبي هانئ خاصة· وقلبت صفحاته فوقع نظري على فقرة بالغة الدلالة على مستوى ثقافة أسلافنا· فنحن في جلسة للخليفة مع عالم اللغة والشعر المفضل الضبي (صاحب المفضليات) ويحاجج الخليفة العالم في مقارنات بين أشعار قالها شعراء في مناسبات عدة· وأنقل النص لحلاوته: قال الخليفة للمفضل: هل تعرف بيتا أوله أكثم بن صيفي في أصالة الرأي ونبل العظة، وآخره أبو قراط في معرفته بالداء والدواء؟ فقال المفضل: لقد هوّلت عليّ·· فرد الخليفة: هو قول الحسن بن هانئ:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
وإذا كان من أوعز بهذه الفعلة النكراء لم يعرف عن الشاعر الكبير إلا أنه كتب في وصف الخمر والتعلق بها، فإنه يجهل أن من أبواب الشعر العربي (أو مقاصده كما يقول السلف) بابا اسمه الخمريات يقارنون فيه بين الشعراء الذين كتبوا في صفة الخمر ليحددوا أيهم أشعر، وربما كان أخطر من ذلك ما كتب في باب الغزل بالمذكر· وعلى أية حال لا يوجد كتابا عن الشعر العربي في العصر العباسي لا يفسح صفحات كثيرة لأبي نواس· ولا يوجد دارس جاد لتراث شعرنا لا يحفظ له بعض الأبيات· والمكتبة العربية لا تستحق اسمها إذا لم يوجد بها ديوان أبي نواس· وجل أساتذة الأدب العربي المعاصرين درسوا وكثيرا ما درّسوا شعره الجميل الفصيح· وقد أسعدني أن أقرأ لكاتبين بريطانيين في كتاب عنوانه "موسوعة صغيرة للحضارة العربية" وأجد فيه تنبيها وتنويها بشعر أبي نواس الديني·
وكان أبو الحسن مقربا من ابن الخليفة الثاني "الأمين" وناصره في الاستيلاء على الخلافة إذ كانت أمه السيدة زبيدة هاشمية، وكانت أم المأمون (الأخ الأكبر) جارية فارسية· وأصرت في ضغطها على هارون باسم النسب الشريف حتى غير ترتيب الوراثة بأن يتولاها بعده الأمين وبعد الأمين المأمون· ولجأ المأمون الى السلاح لانتزاع ما كان يراه حقا له وانتهى النزاع بقتل الأمين ومطاردة أنصاره ومن بينهم أبي نواس الذي وضع شعره في خدمة الأمين والترويج له· وكانت نهاية القرب من السلطان الفرار من بغداد· اختفى الرجل وبقى الشعر متعة لكل قارئ ذوّاقة· |