| من المعروف أن الرق قد انتهى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر· حظرته القوانين ابتداء من الثورة الفرنسية ثم تلتها بقية دول أوروبا ومستعمراتها· ولذلك أدهشني أن أرى في جنيف مقر مؤسسة اسمها "جمعية محاربة الرق"، وظننت أن الكلمة استعارة لبيان شدة وقع الفقر في العالم، ثم سمعت عن مداولة حامية في البرلمان الأوروبي وكتبت لمناسبتها حقائق يجهلها معظم الناس· فقد جاء فيها بيان موثق ومعزز بالأرقام· فظهر لي أن الحديث لا يتعلق بمن تتحدث عنهم الصحف عادة بمناسبة غرق سفينة أو القبض على مهاجرين عند حدود إيطاليا أو أسبانيا وهم في غالبيتهم عرب وأفارقة ومنهم أتراك وأكراد يقصدون ألمانيا حيث استقرت جماعات من مواطنهم منذ أيام إعادة تعمير ألمانيا وسرعة نمو اقتصادها·
ولكن مناقشات البرلمان الأوروبي في هذه المناسبة كانت مركزة على المهاجرين من دول شرقي أوروبا· فقيل إن عددهم في العام الماضي بلغ 750 ألف نسمة· وإن غالبيتهم الساحقة نساء وأطفال·
وأوضح المتحدثون أن عصابات إجرامية متخصصة تعمل على إقناع فتيات شرقي أوروبا - اللاتي يعشن في حالة فقر لم يعرفنها من قبل - بأن بوسعهن لو أردن أن يعهدوا للعصابة بنقلهن الى "جنات" الرأسمالية حيث تجري أنهار العسل واللبن والخمر، وإزاء هذا الإجراء الذي يفتح أمام الشابة منهن باب الجنة الموصد وحوله جنود أشداء مزودون بالسلاح وأجهزة كشف اليكترونية تفضح المهاجر حتى لو سلك عبر الجبال أو الغابات· وتبيع الراغبة في السفر كل ما تملك وقد تختلس نقودا من الأسرة أو الأصدقاء· ثم تسلم أمرها لملاك الرحمة (المأجور) الذي سيسري بها في خفاء حتى تجد نفسها في بريق مدينة غربية· ولكن ما يجرى لها لم يكن يخطر على بال أحد في وطنها· فالعصابة لا تكتفي بتوصيل المهاجرين الى رومانيا وتتركهم هناك بلا أوراق إثبات شخصية كما يفعل البعض بشباب مصريين· لأن العصابة الأوروبية أكثر تنظيما وأكفأ استغلالا· فالمهاجرات يدخلن بالفعل إحدى دول الاتحاد الأوروبي ثم يودعن في بيوت في أماكن لا يعرفن عنها شيئا، وتعد العصابة كلا منهن بتوفير دخل لها على أن تحصل على نسبة من الدخل مقابل توفير العمل ولتأمينها من مطاردة الشرطة· ويكون العمل غالبا الدعارة - لا عقاب على ممارستها في الدول الغربية - وتقبل المهاجرة بأمل أن تدخر من دخلها ما يسمح لها بالاشتغال بمهنة أخرى· ولكنها لا تستطيع الإفلات من العصابة· وإذا هربت تقع في الغالب في يد الشرطة فتعامل كمهاجر غير شرعي وترسل رغما عن إرادتها الى القطر الذي جاءت منه حيث يوجد الفقر ومضافا إليه خيبتها في الهجرة وسقوطها في الدعارة· وهكذا تكون جيش من النساء في حالة عبودية تذكر الأوروبيين بالرقيق الأبيض حين كانت بعض العصابات تختطف النساء من أوروبا وترسلهن خفية الى بعض مدن أمريكا الجنوبية للاشتغال بالدعارة· وهناك قلة من المهاجرات تلحق بالخدمة المنزلية بأجر منحط نظرا للعمولة التي تأخذها العصابة· ويزيد من بشاعة الأمر وقوع أطفال في تلك المصيدة·
وكان طبيعيا أن تنشأ جماعات من أهل الخير والإنسانية لتفضح أبعاد الظاهرة وتحريض الرأي العام للمطالبة بتدخل تشريعي يؤثم العصابات ولا يكتفي بتعقب المهاجرين غير الشرعيين لطردهم من البلاد· |