|
هذه ليست كلمة عربية لأنها ليست من مشتقات فعل أكر الذي يعني حرث الأرض وزرعها· ومنه اسم أكّار (بشدة على الكاف) وهو الحارث· وتركت معاجم العربية بحثا عن أصل أجنبي، ووجدت معجم أكسفورد لا يتضمن أي كلمة بهذا المعنى وأقرب الألفاظ الإنجليزية الى نطقها من acariassis وهو اسم مرض جلدي· فانتقلت الى معجم روبير علها فرنسية الأصل فما وجدت إلا acariatre وتعني العضوب الحقود·
وليكن في علم القارئ أنني لم أفتش عن غريب الكلام ولكنني وجدت هذه الكلمة بالبنط الكبير في إعلان يشغل صفحة كاملة من مجلة “المصور” في عددها الأخير عن شركة عقارية أسسها مصرفان مصريان أحدهما كبير والثاني صغير وكلاهما قطاع عام· وعندئذ اتضح لي أنها الاسم المختصر لتلك الشركة· وبقليل من إعمال النظر أنها الكلمة العربية “عقارات” كتبت بالحروف اللاتينية· ومعنى هذا أن الاسم في نظر مواطن عربي لا يؤدي بالضرورة الى هذا المعنى، وقد يتوهم البعض أنها تركيب من الحروف الأولى لاسم الشركة لا يفيد بالضرورة طبيعة أعمالها· وهذا تقليد شائع في دنيا الشركات الكبرى متعددة الجنسية التي ليس لها شخص مؤسس أو مالك كبير في رأسمالها كما هي الحال في شركة فورد “التي احتفظت باسم مؤسسيها برغم أن ورثته لا يملكون النصيب الأكبر من أسهمها· ومن أمثلة تكون كلمة من الحروف الأولى لاسم شركة سي إن إن، آتي تي، وبنك اتش· اسي بي سي الذي فتح مؤخرا فرعا في مصر وانتشرت إعلاناته في صحفنا· ومن هذه الناحية لن يرى الأجنبي الذي يجهل لغتنا أي معنى لهذه “الأكارات” ويظن أيضا أنها حروف أولى من اسم طويل·
والغريب في هذا كله أن نصيب الأجانب في سوق العقارات عندنا يكاد لا يذكر وأن عملاء الشركة الجديدة مصريون بالضرورة فلماذا لا تكتب “عقارات” ولماذا هذا الافتتان بأمريكا والحرص على أمركة كل شيء ولو شكليا وحتى لو كان النشاط والعملاء من الناطقين بالضاد· هل اغتربت العربية في بلادها؟ وإذا كان من الوارد أن تجد بعض التأمرك عند قليل من رجال الأعمال ولكن الغريب أننا هنا بصدد مصرفين من قطاع الأعمال العام· لقد عبرت ثورة 23 يوليو عن رغبة الناس عندنا في الحفاظ على لغتنا فقررت حظر الاقتصار في الإعلان أو على واجهة المحل على كلمة أجنبية· وألزمت الجميع على التعبير بالعربية وإن جاز أن يضاف الاسم بلغة أجنبية· إننا نكثر الحديث عن “الهوية” وضرورة الحفاظ عليها من الغزو الثقافي·· الخ ما يكتب في هذا الشأن، وها نحن أولاء ندمر اللغة القومية· والغريب أن بعض الشركات الأجنبية تحرص على اختيار اسم له رنين عربي حتى إذا كانت الحروف الأولى من اسمها بالكامل· ومثال ذلك شركة “راية” القابضة التي أسستها في مصر مجموعة من الشركات الاليكترونية الأمريكية· وفي الإعلانات نرى البنوك الأجنبية وبعض الشركات الأخرى تكتب الاسم بالحروف العربية ببنط كبير وباللغة الأجنبية ببنط متواضع· إنني لست من المتحمسين لمقاومة الغزو الثقافي حتى ولو كان محتواه مفيدا للناس والساعين لتجميد الموروث في مواجهته ولكن إهدار لغتنا القومية التي هي أداة تفكير قبل أن تكون أداة تعبير هو جرم عظيم· |