| حين أعلنت الولايات المتحدة نيتها في حشد “الحلفاء” وإعداد أحدث أسلحتها الفتاكة لسحق أفغانستان تمهيداً لتصفية “الإرهاب في كل مكان” إلا في الولايات المتحدة ذاتها (أذكّر بالمبنى الاتحادي نفسه في أوكلاهوما،، والأستاذ الجامعي الذي أرسل خطابات مفخخة لكبار رجال الأعمال·· الخ)، وذلك دون أن دليل قاطع على مسؤولية بن لادن وتنظيمه (القادر على كل شيء كما تريد واشنطن أن تقنع العالم)، أقول إن عدداً من الدول الأعضاء في مجلس الأمن طرحوا فكرة الدور الذي يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة في هذه الأوضاع المعقدة· وكان طبيعياً أن تتجه الأنظار إلى الأخضر الإبراهيمي رجل المهام شبه المستحيلة· وهو الذي نجح في الوصول إلى اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان التي استمرت 15 سنة· وهو أيضاً الذي نجح في هاييتي في ترتيب انسحاب القوة الأمريكية منها وترتيب الانتقال إلى مرحلة توفر البنية الأساسية لحياة مدنية في إطار مقبول ديمقراطياً·
وكان الأخضر قد قام بمهمة دراسة وضع الحرب الأهلية في أفغانستان وتقصى سبب وقفها· وقد زار في تنفيذ هذه المهمة كل أقاليم البلد وتعرف بالقبائل والانتماءات الدينية والإثنية وقيادات الفصائل المتحاربة· وخرج من الدراسة بأن ثمة مصالح مادية تكمن وراء القتال المتواصل (أموال خارجية، زراعة الأفيون، تجارة السلاح·· الخ) ومن ثم وجد وراء الحرب ثلاث دول مجاورة (زارها وناقش قادتها) لابد أن تقبل الالتزام بعدم التدخل في شؤون هذا البلد المنكوب كشرط جوهري لإنهاء القتال·
ومن البداية أوضح الأخضر لدوائر صنع القرار في الهيئة الدولية أبعاد الأزمة مركزاً على أمرين أساسيين: الأول توجيه اهتمام الأمم المتحدة إلى ما سيحدث بعد انتهاء هذه الحملة، والثاني أن الأفغان برغم انقساماتهم المتعددة والمتناثرة يجمعون على الوطنية الأفغانية ورفض أي تدخل أجنبي· وتاريخ البلد يثبت عجز الإمبراطورية البريطانية (خلال احتلالها الهند وبنغلاديش وباكستان) عن احتلال الأرض الأفغانية كما فشلت روسيا القيصرية ثم الاتحاد السوفييتي في غزو أفغانستان· ومن ثم طرح الطريق الوحيد لإنقاذ هذا الشعب من الجحيم الذي يعيش فيه، وهو اتفاق بين كل القبائل وبمشاركتها على حكومة موقتة بأجل محدد ويوضع خلاله الدستور المعدل وتقام البنية التحتية للإدارات الحكومية في الوزارات المختلفة·
وقد شهدته على التلفزيون في مجلس الأمن يحذر من فرض خارجي لحكومة لم يصنعها الأفغان· وعقد هذا الاجتماع بالفعل في مدينة بون في ألمانيا وتوصل بعد تسعة أيام إلى اتفاق يقضي بتسلم الإدارة الجديدة كل ما يتركه الطالبان دون وسيط أجنبي· ولم ترض واشنطن بطبيعة الحال لأنها تريد أن تنفرد بالسيطرة على أفغانستان لتصبح قاعدة لها في آسيا الوسطى الإسلامية·
والرائع في ذلك هو أن هذا الرجل لا يمثل أي حكومة وليس موظفاً دائماً في بيروقراطية الأمم المتحدة· ولكنه سياسي عربي أوتي مواهب رجل الدولة واكتسب براعة الديبلوماسي القدير، له مبادئ وقيم واضحة ومستقرة خصوصاً على هذا المستوى· إنه مفخرة لكل العرب· |