| لا أقصد بهذا ما يأكله أكثر الناس وبعض أنواع الحيوان، ولا ذلك الذي كسا الخالق به عظام الإنسان وإنما ما في ذهني هو التعبير الشعبي “الضرب أو الطعن في اللحم الحي” بما يؤدي الى شديد الألم ويترك وراءه عاهة أو يفضي الى الموت· ومن قبيل المجاز المشروع لغة أن نصف أرض مصر الزراعية باللحم الحي فمن دونها مصر صحراء· والنيل لم يحمل الى هذا الركن الشمالي الشرقي من الصحراء الكبرى الماء فحسب، بل راكم في الوادي والدلتا عبر آلاف السنين التربة الزراعية· وفوقها أجرى الإنسان المصري القديم أول ثورة تكنولوجية في تاريخ البشرية تنقل الإنسان من المعيشة على التقاط ثمار بعض النباتات البرية الى زراعة ما فضّل منها· وبذلك زاد الإنتاج وتكاثر البشر وبدأ العمران الحقيقي أي استقرار الجماعات البشرية على مواقع ونشأة القرى ثم المدن، ومن دون مياه النيل ما كان في وسع الإنسان أن يمارس زراعة أي شيء في أشد مناطق الصحراء الكبرى جفافا· كان أقسى مما يسمى في جزيرة العرب “الربع الخالي”· ولم يكن تراكم الطمي بهذه الكثافة إلا لجريان النيل محصورا في واد ضيق وبين جبلين حالا بين شمالي الخرطوم وحتى القاهرة دون تبدد المياه في الصحراء على سعتها، أي أن مساحتها المزروعة متواضعة بكل المقاييس: مقياس المساحة الإجمالية لمصر ومقياس عدد السكان المتزايد·
ولهذا كانت تلك الأرض اللحم الحي لشعب مصر، كل اقتطاع منها لاستخدام غير الزراعة وتربية الحيوان لا يعوض· فكل فدان منها تكون عمقه وتشكلت تربته عبر آلاف كثيرة من السنين لم تكن أرض الوادي مسكونة ببشر طوال عدد كبير منها· ومعروف أنها لذلك من أجود الأراضي في العالم كله وهي تحتل الدرجة الأولى في تصنيف التربة الزراعية الذي صاغته وزارة الزراعة الأمريكية· وأي أرض نحولها من صحراء الى الإنتاج الزراعي هي بالضرورة من الدرجة الرابعة أو الخامسة، والزحف العمراني (بكل أشكاله) على الأرض الزراعية سيظل حتميا ما لم تنجح مصر في نقل ملايين من سكانها الى سيناء والوادي الجديد والساحل الشمالي وساحل البحر الأحمر· ولا يتيسر ذلك إذا استمر التعمير مرتبطا بالزراعة، فهذا القطاع لا يمكن أن يستوعب عمالة ضخمة، ومن ثم لا بد أن يشمل التعمير أنشطة صناعية متنوعة وتجارية، وسياحية ومؤسسات صحية وتعليمية، بل ومراكز للبحث العلمي والتكنولوجي·
وما حملني على هذا الحديث هو الذي طالعتنا به الصحف عن مشروع متحف في مدينة المنيا· وأنا من أبناء هذه المحافظة وأسعد بكل تقدم في حياة أهلها· ولكن هالني أن المشروع ستخصص له أرض مساحتها 25 فدانا في الضفة الغربية· ومعروف أن أرض المنيا من أخصب أراضي مصر· وأدهشني أن أصحاب المشروع استبعدوا البر الشرقي رغم ربطه بكوبري وما سمعنا أن مدينة المنيا الجديدة تبنى هناك على سفح جبل السيدة العذراء· ماذا يمكن أن يسوغ القطع من اللحم الحي· ألا يكفي ما اقتطع بالفعل للجامعة وغيرها من المباني الأميرية؟· |