| زار الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر كوبا وبقى فيها حوالى أسبوع· ويجب أن نضع هذه الزيارة - التي أذن بها البيت الأبيض استثناء من القانون الذي يحظر على الأمريكيين وضع أقدامهم على أرض هذه الجزيرة التي يسكنها أكثر من عشرة ملايين نسمة - في إطار أوسع ألا وهو الضغوط التي تمارسها معظم الشركات الأمريكية الكبيرة من أجل إلغاء الحصار الأمريكي· ويشهد الرأي العام تحركات واسعة في هذا الاتجاه تستند في موقفها الإيجابي من كوبا أساسا لسبب عملي يدركه الأمريكيون دون جدل سياسي أو صراع أيديولوجي: لقد قارب عمر الحصار الأربعين سنة ولم يسقط كاسترو أو يتغير جوهر نظامه الاشتراكي· وقد قرأت مؤخرا عن مؤسسة قامت وجمعت تكاليف نشاطها من تبرعات جاء معظمها من شركات تتطلع الى نصيب من السوق الكوبية وتحمل اسم “مؤسسة رفع الحصار عن كوبا”· والعقبة الأساسية أمامها هي مافيا المخدرات الكوبية المستقرة في ولاية فيلادلفيا والتي تنفق بسخاء على حملات المرشحين لمواقع سياسية من شيوخ ونواب الى أعضاء الهيئة التشريعية في الولاية وحاكم الولاية نفسه وهو حاليا جيب بوش أخو الرئيس·
وما أود الإشارة إليه هنا هو أن كارتر أمضى يوما كاملا في زيارة معامل البيوتكنولوجيا التي تشتغل أساسا في مجال العلاجات الحيوية المبنية على الهندسة الوراثية· وهي مشهورة في العالم كله بأنها مخترعة عقار “انترفرون” المستخدم في علاج أمراض مستعصية فشلت في علاجها الأدوية الكيماوية· وكان غرض كارتر من زيارتها التعرف على ما يمكن أن يكون لديها من إمكانات إنتاج أسلحة بيولوجية أو أنها تجري أبحاثا في هذا المجال· وقد نفى الرجل نفيا قاطعا وجود أي شيء من هذا القبيل، مبددا بذلك ما تشيعه إدارة بوش·
ولست هنا في مقام الإشادة بنجاح نظام كاسترو· وإن ما دعاني للكتابة ما قرأته في الصحف أن “حشرة قشرية” تلحق بمحصول القصب أضرارا جسيمة ربما وصلت الى حد عدم كفاية المحصول لما تحتاجه صناعة السكر· فقد زرت المعامل الكوبية في 1989 ضمن أعضاء “لجنة الجنوب” التي استضافت هافانا اجتماعها قبل الأخير· وخلال زيارة طويلة سنحت لي فرصة الاستفسار عما إذا كان المعمل يخلق مضادات حيوية لأمراض النباتات· وتلك قضية تشغلني منذ بداية دراستي لقضايا البيئة· وقبيل مغادرتي الوزارة استقبلت مدير المركز القومي للبحوث “في فرنسا· واتفقت معه مبدئيا على التعاون في إنشاء مركز بحوث للتكنولوجيا الحيوية يعنى في المقام الأول بتخليق كائن حيوي يقضي على دودة القطن بحيث تخرج مصر من الخطرين: خطر ضياع جزء مهم من المحصول، وخطر الإضرار بصحة البشر والماشية وبنوعية التربة ومياه الصرف الزراعي· ويقابل مكانة القطن في الاقتصاد المصري مكانة قصب السكر في الاقتصاد الكوبي· وعلمت أنهم خلقوا نوعا من البكتيريا يتغذى على “دودة القصب” فيقضي عليها· وحينئذ سألته أين تذهب هذه البكتيريا بعد هذه المهمة الجليلة؟ وكانت الإجابة أنها تموت لأن غذاءها الوحيد هو الدودة·
وسؤالي الآن هل تعلم وزارة الزراعة عندنا بما جرى في كوبا؟ وإذا كانت لا تعلم لماذا لا تطلب هذه المعلومات وتوفد من يعاين على الطبيعة؟ فنحن بصدد دولة ليست بيننا وبينها خصومة والعلاقات الدبلوماسية قائمة· ومتى نقلع عن التوجه في كل شأن علمي الى أمريكا أو أوروبا ونعرف ما يجري في بلدان العالم الثالث من إنجازات رائعة كالهند في الشرق وكوبا والبرازيل والأرجنتين في الغرب· أم أننا نخشى أن يغضب مسعانا بوش الصغير فيضع الكنانة في صف “محور الشر”؟ |