| يذكر المؤرخون وزارة صدقي باشا (1930 - 1934) مركزين على إلغاء دستور 1923 وإصدار دستور 1930 الذي يجمع السلطة في يد الملك· ويحكون قصة الحزب الحكومي الوهمي الذي أنشأه رئيس الوزراء ووضع على رأسه سراج الدين شاهين باشا (مؤسس أسرة سراج الدين) وتزوير الانتخابات وتقييد الحريات· ولكنهم في الغالب يتركون جانبا الأوضاع الاقتصادية في البلاد· وفترة حكم صدقي باشا تعرف عالميا باسم “الكساد الأعظم” لأنها شهدت أعنف أزمة أصابت الاقتصاد الرأسمالي على مستوى العالم وأكثرها عمقا وأطولها أمدا· وقد أصابت الاقتصاد المصري المعتمد كاملا على تصدير القطن الى مصانع لانكشير في بريطانيا العظمى· ويكفي أن نشير هنا بمؤشر واحد، هبط سعر قنطار القطن من 30 جنيها في 1928 الى ثلاثة جنيهات فقط في 1930 وعانى الفلاحون مرارة الجوع· ولم يكن الملك (عابدين) أو الحكومة (لاظوغلى) أو المندوب السامي البريطاني (قصر الدوبارة) ليهتموا بهذا الشأن التافه· وكان الذي أقلقهم ما أصاب الطبقة ذات النفوذ والقوة من باشاوات وبكوات وأعيان يملكون العزب والضيع ويوفرون القطن المطلوب· كانت ملكية الأرض الزراعية عنوان الثراء المستقر، وكان التباهي “بالزمام” أي مجموع ما يملكه شخص واحد ولم تكن الأموال الأخرى ذات أهمية ولم يذكر أحد بصفته مليونيرا، وظهر من زمامه عشرة آلاف فدان·
وقد دفع هذا الوضع أفراد هذه الطبقة الى اقتناء المزيد من الأراضي لتوسيع الزمام· واقترضوا من البنوك العقارية ليدفعوا ثمن ما يشترون· وكان في مصر عندئذ مجموعة بنوك عقارية مهمة في مقدمتها البنك العقاري المصري (التابع للبنك العقاري الفرنسي) والذي أنشئ قبل أكثر من ستين عاما وارتهن أكثر من نصف مليون فدان من أجود أراضي مصر· وكان هناك أيضا “شركة الرهونات” الإنجليزية الأصل وبنك الأراضي الذي شارك في تأسيسه عدد من رجال الأعمال الأجانب المقيمين بمصر· وما يعنيني الآن أن هؤلاء السادة الحاكمين قد تعثروا “بلغة اليوم” أي عجزوا عن خدمة ديونهم (بفوائد نسبة ربوية تتراكم مع كل امتناع عن تسديد قسط)· وكان على حكومة صدقي باشا أن تنقذهم· فصدر قانون يحمل اسما عجيبا “قانون صيانة الثروة العقارية” كما لو كانت أرض الزراعة ستطير أو ستغطيها الرمال أو يجف النيل· وبمقتضى هذا القانون أنشأت الحكومة قسما في بنك التسليف الزراعي (تحول فيما بعد الى بنك مستقل تحت اسم “البنك العقاري الزراعي المصري”) ليشتري ديون المتعثر بتسديد كامل المستحق للبنوك المقرضة، ثم يعيد جدولة السداد ويخفض سعر الفائدة الى النصف· وكل ذلك من خزانة الدولة، أي من أموال الضرائب أساسا· ولم يكن في مصر آنذاك إلا ضرائب على الأرض والمباني، وبدأت تحصل الضريبة الجمركية·
ولم يكن متصورا ألا يمتنع الملك و”خادمه المخلص” عن استغلال هذا كله سياسيا· وبالفعل كان شرط الانضمام الى حزب الشعب أو على الأقل الاستقالة من حزب الوفد السبيل الوحيد للحصول على تسوية· وقد أضير من تمسك بمبادئه ضررا جسيما، ومن أشهرهم حمد الباسل باشا·
ألا يرى القارئ معي أوجه التشابه بين تسهيلات تقدم لهاربين نهبوا أموال المودعين في البنوك وما فعلته حكومة صدقي؟ ألسنا بصدد “قانون صيانة الثروة المنقولة”؟ ولكن الأمور تغيرت فالعقار ثابت في الأرض أما الأوراق المالية من أسهم وسندات وحصص تأسيس·· الخ أو ودائع في بنوك تنقل من دولة لأخرى في دقائق قليلة ودون أي تداول مادي ملموس· ومن سمات عصر الكوكبة تضخم أسواق المال وسرعة تنقلها من بورصات العالم والنصيب الكبير للأموال القذرة “غير المشروعة” في هذا الطوفان· |