| لا مصداقية لحزب يدعو الى الديمقراطية ولا يمارسها في داخله· وهو إذا وصل مصادفة الى الحكم فلن يطبق ما لم يمارسه، وقد تعلمنا في دراسة أصول الفقه أن فاقد الشيء لا يعطيه·
لقد نشأ حزب التجمع منذ البداية على أنه حزب سياسي وليس “عقائديا” وهو تعبير ابتدعه مؤسسو حزب البعث· وفي رأينا أن العقيدة تعني الدين، أما السياسة فهي من صنع البشر تحتمل الخطأ والصواب، كما نشأ الحزب على أنه تجمع لكل من يمكن تجميعهم من قوى اليسار المصري لنتعايش معا، نتفق ونختلف ولا نلتزم إلا ببرنامج الحزب الخاضع بدوره لضرورات التطوير· وقد أصدر الحزب العام الماضي برنامجا جديدا يخاطب قضايا المجتمع الراهنة والمتوقعة وذلك كله في إطار الانحياز القاطع الى جانب الفئات الفقيرة والمستغلة، والمحرومة، فنحن صوت من لا صوت له في الإعلام أو البرلمان، أو حتى أنشطة الجمعيات الأهلية المثقلة بقيود وزارة الشؤون الاجتماعية· وقد أغلقت حرية الاختلاف في الرأي باب الانقسام، ونحن نزهو بأننا الحزب الوحيد في مصر الذي لم يعرف أي محاولة للانقسام، والتعايش مع الخلاف ظاهرة صحية لأن كل تقدم في تاريخ البشرية بدأ بخلاف مع الفكر السائد حتى في العلوم الطبيعية·
إن من أهم مكونات الديمقراطية الحزبية تداول المسؤوليات القيادية، حيث تنص المادة الثامنة من لائحة الحزب على ألا يشغل عضو الحزب مركزا قياديا أكثر من فترتين “والفترة هي السنوات الأربع بين مؤتمرين”· وكان هذا الموقف من التجديد أمرا صعب القبول، فقد اعتمد شعبنا منذ الفراعنة حتى الآن شخصا مؤسسا حتى الجمعيات الأهلية تنسب دائما الى اسم رئيسها المؤسس أو الذي حل محله بعد رحيله الى العالم الآخر· وكان طبيعيا أن تسود في الحزب أفكار تدعو الى بقاء الأستاذ خالد محيي الدين رئيسا مدى الحياة· وذهب البعض في المؤتمر الطارئ الذي عقد في 19 ديسمبر الى حد القول: “إنه لا وجود للتجمع من دون خالد رئيسا”·
وهذا الموقف العاطفي في جوهره تعبير عن حب عميق وتقدير صادق لرجل أمضى حياته في خدمة شعبه· ولكن العواطف الجياشة غطت لفترة على أهم صفات خالد محيي الدين· فهو أولا وقبل كل شيء مناضل من أجل الديمقراطية، وترك مجلس قيادة الثورة - وكان من أبرز أعضائه - حين رفض زملاؤه منهج الديمقراطية، وفي تقديري أن تلك أهم صفات هذا الإنسان العظيم، وقد فعل ما كنت انتظره منه لمعرفتي الوثيقة به، وقد أعلن في صراحة وبأقل كلام أنه يرفض رفضا باتا ترشيح نفسه لفترة رئاسة جديدة· وهاج بعض المؤتمرين وأعلنوا رفضهم لهذا الرفض، وأخيرا انتهى الرأي الى ضرورة تطبيق المادة الثامنة دون أي اسثتناء· وانتصرت الديمقراطية وشاهد شعبنا للمرة الأولى رئيس حزب يتخلى بملء إرادته عن منصبه، ولكن ضعف الثقافة الديمقراطية لدينا دفع بعض وسائل الإعلام الى عدم إبراز هذا الحدث أو التعليق عليه· وذهب البعض الآخر الى الكتابة حول “الصراعات” والانقسامات داخل حزب التجمع، وهذا أمر منكر يعبر عن عدم الثقافة في الديمقراطية أو اختصارها فقط على علاقة الحكام والمحكومين في هذا المجتمع·
والثابت أن الديمقراطية لا تستقر ولا تتعمق إلا بالتفاف الناس حولها وممارستهم لها في كل مؤسسة من الأسرة الى المدرسة ومن الجمعية الى النقابة ومن الحزب الواحد الى التعددية الحقة·
وتحية حب وتقدير الى الأخ الكبير والزميل المبجل والزعيم الحق خالد محيي الدين· |