| الإسلام علمنا الوسطية بشكل واضح ومفهوم للكل ودعمها بعدم الإكراه ليس على الأفكار والاجتهادات فحسب بل في الدين والعقيدة، فهو يدعو لاحترام كرامة الإنسان وحريته وحقوقه كاملة حتى لو لم يتبن أراءك، ولكن دعاة الوسطية من التيار التكفيري ووسطيتهم تلف وتلف وترجعنا لبؤرة الإرهاب الفكري والعملي مرة أخرى· ليفهم العالم وخاصة العالم الإسلامي وقادته بأن من وعدوهم بالقضاء على الإرهاب التكفيري بحجة أنهم دعاة الوسطية لن ينفعوهم بشيء والدليل ما نراه من تصاعد الإرهاب يوما بعد يوم، فكثير من أساطين التكفير ومنبعه يصدرون فتاوى عن أمور يرونها بدعة حسب استدلالاتهم ولكن غيرهم من المسلمين يرونها جائزة وليست بدعة، فتجد أساطين التكفير يقولون عمن لم يرتدع "قبل تكفيره يجب أن يستتاب وإن لم يقبل التراجع فهو كافر"، هذه المقولة سوف تحدث مشاكل بين المسلمين والسبب: كيف تتحقق هذه المسألة فكل مذهب وتيار إسلامي لديه اجتهاده ورأيه الذي يرى أنه مستنبط من القرآن والسنة ولو كل مذهب ذهب لأتباع المذهب الآخر وعرض عليهم آراءه وقال لهم أنا أريد أن أستتيبكم بأن تقبلوا رأيي فهو الإسلام الصحيح وإذا لم تقبلوا فأنتم كفار، فسوف نصبح في هرج ومرج، فالكل سوف يصبح كافرا بنظر الآخر، فمن لم يتبن آراء الزرقاوي فكل حقوقه بنظرهم والحرية التي يزعمونها لا تتعدى أن يعرض عليك·· هل تتبنى آراءنا وتتوب من رفضك لها أم لا؟ فإن رفض رموه بالكفر وما يترتب عليه بحجة أننا استتبناه ولم نكفره مباشرة، هل رأيتم أننا لسنا تكفيريين ولدينا حرية اختيار؟! أنا لا أعلم ما الفائدة أستتبته أم لم تستتبه؟ فهو لا يقتنع برأيك فأي وسطية أو حرية أو فهم للدين؟! هؤلاء في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر، لو أن العالم المتحضر يريد أن يسير على نهجهم لرأينا الآن كل جندي أمريكي يضع فوهة رشاشه على رأس كل شخص في العالم ويأخذ منه إقرارا بتأييد الفكر الأمريكي أو سوف يفجر رأسه، وبهذه الطريقة سوف يصبح الجميع مع الفكر الأمريكي أو المسيحي أو الشيوعي وتكون الغلبة للأقوى، ولكن الغرب تجد عنده الكل يعيش في سلام لأنه توصل بفكره وبحثه عما هو أفضل للبشر وتوصل لسنن السلام البشري والتسامح والتراحم وعدم الإكراه وتبني الرأي الأفضل من خلال الحجة والإقناع وحرية الاختيار التي دعا إليها الإسلام وقام بتشويهها دعاة نظرية الغلبة التي سببت انهيار نظام الخلافة التي دق آخر مسمار في نعشها في اسطنبول، وذلك بعد خلافات عدة متعاقبة منذ العهد الأموي الى العثماني، وقوة السيف هي التي توصلك للسلطة بعد القضاء على خصومك والخلافة التي سبقتك، ومن ثم تقوم الخلافة الجديدة وسلالتها بفعل ما تشاء لا رادع لها ومن تجرأ وعارض فالسيف علاجه وفتاوى وعاظ السلاطين أعظم مبرر لكل عمل يقوم به الحاكم، وهذه العقلية اليوم موجودة ولكن على شكل أحزاب وجماعات تريد إرجاع فترة فرض الرأي بالقوة وإعطائه صبغة شرعية وكأنهم لا يرون تطور الأفكار التي أثبتت جدارتها في إسعاد البشر وجعل العالم أكثر أمانا وحرية ورخاء ورفاه· يقول الإمام علي "عليه السلام": "العاقل من وعظته التجارب"· ولكن جماعات التكفير لا يستفيدون من آلاف التجارب الفاشلة بل يريدون تطبيق ما أثبت فشله بالسابق فهم تنطبق عليهم الرؤية الصينية لتعريف الجنون وهي: القيام بالعمل نفسه وتوقع نتيجة مختلفة!
لقد كانت قبلكم دول عظمى تتبنى إرهاب الناس وتكفيرهم باستغلال بشع للدين وكان ذلك إرهاب دولة ولكن لم تصمد فانهارت وانهار معها كل شيء فانهارت الخلافة العثمانية بسبب إرهابها الديني واستغلالها للدين في قمع البشر، وصمدت الدولة البريطانية بسبب ديمقراطيتها واستفادتها من التجارب السابقة وجعل الرجل المناسب في المكان المناسب، وكأن الزمن يقول لنا بأن مبادئ الإسلام التي تكفل الحياة السعيدة للبشر يمكن أن تطبق ولكن تحت مسميات مختلفة وتعطي النتائج نفسها الإيجابية التي كفلها الله لمن يطبقها، وأن مبادئ الجاهلية تكفل الحياة التعيسة للبشر حتى لو طبقت تحت مسمى الإسلام والإسلام منها بريء·
machaki@taleea.com |