|
يشغل الناس بدرجات متفاوتة بموضوع رجال الأعمال الذين امتنعوا عن تسديد شيء من قروضهم الطائلة لدى البنوك، وتطلق عليهم الحكومة اسم "المتعثرون" ويغلب في وسائل الإعلام تعبير مهربين· ولست في هذا المقام بصدد عرض القضية واقتراح الحلول الممكنة· ولكنني أكتفي بتصحيح بعض التعابير والمفاهيم غير المطابقة لحقيقة الأمور·
وقد أوضحت في هذا المكان خطأ تعبير "أموال البنوك" لأنها في حقيقة الأمر أموال المودعين التي يجمعها الجهاز المصرفي في شكل ودائع لأفراد من الطبقات الوسطى· وعائد الوديعة (سعر الفائدة) هو أدنى بشكل واضح من نسبة الأرباح التي يحققها رجال الأعمال إلى رأس المال المستثمر من حر ماله· ومراجعة بيانات البنك المركزي تبلغ ودائع "القطاع العائلي" أكثر من ثلثي إجمالي الودائع بنسبة 67%، ولا تزيد ودائع قطاع الأعمال الخاص عن 11%· وفي المقابل نجد حجم القروض للقطاع العائلي أقل من مليار، وتلك الممنوحة لقطاع الأعــمال الخاص 27 مليارا·
أما تحويل الأموال إلى الخارج فلم يعد محظورا منذ ألغت مصر الرقابة على النقد· وكان من أهم شروط البنك الدولي وصندوق النقد حرية حركة رأس المال دخولا وخروجا ومن له رصيد (حقيقي أو قرض من البنك) دولاري يستطيع في أي وقت أن يأمر البنك بتحويل جزء من هذا الرصيد أو كله ولا يملك البنك إلا التنفيذ الفوري· وبرسوم أعلى يمكن أن يتم التحويل بالفاكس أو بالبريد الإلكتروني وكل ذلك مشروع· وبالتالي لا يجوز أن نطلق على هذا التحويل اسم "التهريب" الذي هو مخالف للقوانين السائدة ويقع تحت طائلة العقاب· ومن الطريف أن أرقام التحويلات إلى الخارج لا تظهر في إحصاءات هاتين المؤسستين· لا نجد فيها إلا أرقام التدفقات من الخارج إلى الداخل، والسبب في ذلك أن هذه الظاهرة تخالف بشكل واضح النظرية الاقتصادية السائدة والتي تقول إن رأس المال (والعمل) ينتقل من حيث يكثر الى حيث يقل· فالقلة تعني ارتفاع العائد (ربح أو فوائد)· وبمقتضى هذا القانون الأساسي في اقتصاد السوق لا يتصور أن يغادر رأس المال من دول العالم الثالث حيث هو "نادر" الى أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة التي بها وفرة في رؤوس الأموال· وبالاستعلام من بعض الزملاء العاملين في البنك أثرت هذا الموضوع وأنه يؤدي إلى زيف أرقام حساب المدفوعات· وكان الرد بالنفي لأن الأموال الخارجة تظهر تحت بند "السهو والخطأ"· وكان البنك المركزي المصري يستخدم تعبير تحويلات دون مستندات· ولكن أوامر صندوق النقد باتباع نموذج واحد لحساب المدفوعات حتى تســهل المقـــارنة بين الـــدول· فظــــهر عــــندنا بند "السهو والخطأ"· ويبلغ حجــمه مئات الملايين من الدولارات·
وأخيرا يمارس معظم رجال الأعمال وبعض الأغنياء بصفة عامة الاستثمار في الخارج منذ أواسط السبعينات· وفي بعض التقدير يتجاوز حجم استثمارات المصريين في الخارج الآن المئتي مليار دولار· وكان رصيدها في 1991 يتجاوز 87 مليارا فكانت متزايدة طول الفترة التالية· وقد نشرت في "الأهرام" مقالا في هذا الموضوع في 1992· ولم يعلق أحد على كلامي· |