| ذكرت في دراسة لي عن ظاهرة الكوكبة: أن الرأسمالية الكبيرة ممثلة أساسا في الشركات متعددة الجنسية تستغني عن الدولة في كثير من الخدمات الأساسية، وقلت إن شركات "الأمن" الخاصة المختارة من أكفأ الرجال والنساء والمزودة بأحدث الأسلحة والوسائل الإلكترونية أكفأ من أجهزة الشرطة الحكومية، ولذلك تعتمد عليها الشركات متعددة الجنسية اعتمادا شبه كامل، وقلت إن الدول الغربية، وأولها الولايات المتحدة تخلت عن مبدأ الخدمة العسكرية الإجبارية لكل مواطن قادر وعليه واجب وطني، بل هو أعلى رموز الوطنية، وأن جيوشها تحولت بالنسبة للعلاقات مع الدولة إلى مصلحة حكومية، يتقدم الأفراد للعمل فيها بإرادتهم ويدخل في حسابهم الأجر والدرجة التي يحصل عليها عند التقاعد، فالعسكرية الآن مهنة يختارها الإنسان بإرادته ويأمل أن يقضي فيها حياته، أي أن الحرب تحولت إلى عمل مأجور، ولما كانت محفوفة بالمخاطر كان من الطبيعي أن يرتفع الأجر "وفقا لظروف العمل كما يقال"·
ثم قرأت مؤخرا على هامش حرب غزو العراق، أن الجيش الأمريكي يزيد باستمرار من العمليات التي كان يقوم بها العسكريون، وتعاقدت القوات المسلحة مع شركات مدنية لتوريدها، وجاء بمقال مجلة "فورشن" أن عدد "المقاولين" Contractors إلى عدد الجنود بلغ مقاولا لكل عشرة جنود، كذلك اتساع مجال المقاولة من خدمات توفير الغذاء والملابس، "ثم غسلها وكيَّها" إلى صيانة الأسلحة، ومن الشائع المعروف أن الطلب القوي المصحوب بالقدرة على دفع الثمن العالي لابد أن يخلق العرض المقابل، وقد جاء هذا العرض في أمريكا بشكل كثيف غداة هزيمتها في حرب فيتنام، فقد خرج كثير من العسكريين من هذه الحرب الشنعاء بعد أن شهدوا من القتل الفردي والجماعي وألوان التعذيب واستخدام واسع للحرب الكيمائية وأحدث أشكال الأسحلة النارية المحكومة إلكترونيا لتقتل الناس ولا تهدم البيوت أو العكس···! وقد أدى تمثلهم لهذه الآثام المحظورة بمقتضى اتفاقات دولية والمرفوضة سياسيا، إلى ظهور مافيا من القادة الذين يعرفون شؤون القتال إلى حد اعتقادهم استحالة تطويع أنفسهم لحياة مدنية، وأن عليهم أن يكتسبوا عيشهم من هذا الذي تعلموه في فيتنام، فكونوا جمعيات وأصدروا نشرات ومجلات تزخر بالإعلانات المجددة لطلب وظائف قتالية، ويتلقون إعلانات من الباحثين عن العمالة المقاتلة وظهروا بكثافة في الدول الإفريقية الغارقة في الحرب الأهلية، وتجند الأطفال الذين يحتاجون لمواجهة الرصاص إلى قادة مجرمين يعلمونهم القتل والكروالفو·
وقد لاحظت في السجون المصرية - وما أكثر ما زرت منها من الإسكندرية إلى قنا - أن الإدارة تسمي من يتعاقد على توريد الطعام المقرر للمسجونين لائحيا "المتعهد" وهي الترجمة المناسبة للكلمة الأمريكية في هذا الشأن، ولما كان التحقيق في بعض وقائع التعذيب في سجن أبو غريب أثبت أن بعضها أوقعه بالسجناء "مدنيون" ليسوا من الجيش وإنما هم خبراء وردتهم الشركات المتعاقدة مع الجيش لأداء هذه المهمة، ولنا أن نتخيل نوعية البشر الذي يقبل حقا على تعذيب الناس ويسعد به وبالأجر الذي يحصل عليه مقابل فعله، وألعن من المعنيين أنفسهم رجال الأعمال الذين خلقوا كيانا قانونيا لجمع "البلطجية" والقتلة المحترفين، وتوفير العمل الإجرامي لهم وبلغة السجون المصرية الواحد منهم "متعهد تعذيب" ويجرؤ بوش على أن يصف بلاده وحلفاءها بالأمم المتمدينة رغم ما يرتكبون من جرائم، ويقول عنا نحن العرب وأمثالنا أننا همج شريرون··! وكل شيء يمكن أن يرد على لسانه الجاهل، ألم يقل لشعبه: إن أفغانستان والعراق مثلان على التحرر والديمقراطية وتطبيق إجراءات الإصلاح··! |