| اللغة العربية لغة من أجمل لغات الدنيا تتضمن سلماً موسيقياً شجياً، ولذلك جاء القرآن على لسان أمة العرب معجزة على مر الدهور والعصور يتحدى به الخالق البلغاء من أن يأتوا بسورة من مثله أو بآية من شاكلته· ومن هذا المنظور البلاغي تفنن السابقون ومن جاء من بعدهم في تسطير شجي الكلام ومعسوله وتنضيد عذب الخطاب وحلوه، مستخدمين السجع والترادف والتورية والجناس والطباق وبقية أدوات البلاغة والبيان· لكن عرب اليوم أخذوا من هذه اللغة جانباً آخر فخلطوا سمنه بعسله ومزجوا حلوه بمره فتراهم يدبجون الخطاب في تزييف الحقائق وتقليب الأمور وتغيير المواقع دونما خجل مما يفعلون ودون أن ترف لهم طرفة عين من الإثم الذي يرتكبون·
قمة "الحالات" مثال صارخ على دبج معسول القول والهروب من مجابهة الواقع والتخفي وراء ستار بيان اللغة والتستر خلف عباءة بلاغتها· فالقضايا الشائكة المعقدة أصبحت في لغة أهل القمة "حالات" ليس إلا، والعدوان الواضح على الشعوب العربية من قبل سلطات القهر التي تجثم على الرقاب "حالات" تناقش على استحياء، ومأساة أرض الإسراء والمعراج تحولت بلاغياً من قضية مركزية في وجدان المسلمين والعرب إلى واحدة من هذه الحالات، ناهيك بالطبع أن تغير واقع عدوانية جزاري بغداد إلى "حالة" بين الكويت والعراق يسعى بلغاء الخطابة العربية إلى "لحلحتها" وإيجاد صياغة بيانية للتعامل معها· وإذا كانت القمم العربية السابقة مهمتها تخدير الوجدان العربي وتغييبه عن واقع كوارث الهزائم ومصائب الفقر وبلايا الجهل، فإن قمة "الحالات" بزت كل القمم السابقة في هذا الاتجاه وتفوقت على جميع الاجتماعات السابقة بتسطيح القضايا الشائكة، وعلا دورها على دور القمم السابقة في تمييع قضايا الأمة وتهميشها·
قمة "الحالات"، وكما أبدع في وصفها بشار الأسد، ليست إلا حائط مبكى يقف النادبون ليتباكوا على أطلال حظهم عند عتباته وعيونهم ترنو نحو كعبة واشنطن وأبصارهم تشخص إلى قبلة لندن، بل وتهفو أفئدة بعضهم إلى جنة تل أبيب·
جلسات الزار في "قمة الحالات" تنفض اليوم على بيانات لا تغني من جوع ولا تروي من ظمأ، وعلى الرغم من ذلك يبقى دور دول الخليج فيها بتحمل "فاتورتها" ودفع "أتاوتها"، حتى وإن قيل في أهلها ما لم يقله مالك في الخمر، بلاغة البيان العربي لن تغير من "حالات" القهر العربي ولن تبدل من واقع هزائم الأمة ولن تعدل من معوج أمرها، فالله سبحانه وتعالى لن يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم··· |