|
دشن الشعب الأمريكي دخوله القرن العشرين بانتخابه مرشح الحزب الديمقراطي توماس وودرو ولسن (1924 - 1856) لدورتين متتاليتين (1921 - 13)· ولم يُخب ولسن ظن ناخبيهم، وهو الأستاذ الجامعي ومدير جامعة برنستون لثماني سنوات (1910 - 1902)، وهي جامعة شهيرة في الولايات المتحدة الأمريكية·
فقد استهل ولسن القرن العشرين بدعوته إلى تصفية الاستعمار، ورفضه الدخول في الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في 1914، والتي اضطر كارهاً إلى دخولها فيما بعد - أبريل 1917 - تحت وطأة ضربات الغواصات الألمانية التي أغرقت سفناً أمريكية وهي في “عقر دارها”!! وتجلت دعوته في مناهضة الاستعمار في تلك المبادئ الأربعة عشر التي طرحها على الكونغرس في 8 يناير 1918· حيث نص المبدأ الخامس منها على: “تسوية المنازعات الاستعمارية مع مراعاة رغبات السكان الأصليين ومصالحهم”·
وقد استبشر مثقفو المستعمرات بتلك المبادئ خيراً، خصوصاً وأنها ترافقت مع تلك الإجراءات الثورية التي اتخذتها حكومة البلاشفة في روسيا غداة ثورة أكتوبر في 1917، والتي بموجبها تم منح فنلندا وبولندا الاستقلال ودعوتها إلى حرية تقرير المصير ورفضها للمعاهدات السرية في تقسيم العالم بين الدول العظمى·
إذن، تشكلت قوة معنوية ومادية ضخمة يمثلها نظامان أخذا يلعبان أدواراً رئيسية على المسرح العالمي، ويحلان بدل القوى العظمى القديمة التي بدأ نجمها بالأفول· وهاتان القوتان رأتا في الاستعمار - كل من منطلقه - نظاماً لابد من التخلص منه·
غير أن حماس الولايات المتحدة مالبث أن فتر في دعم حركات التحرر (ولو معنوياً) وبالذات بعد الحرب العالمية الثانية، حيث دخلت القوتان العظميان: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في حرب باردة استمرت أربعة عقود إلى 1989 تاريخ انهيار المعسكر الاشتراكي· وشهدت هذه الحقبة سباقاً محموماً للتسلح، واستقطاباً عالمياً بين المعسكرين·
ولعل أحد عوامل فتور حماس الولايات المتحدة تجاه دعم حركات التحرر أن تلك الحركات أضحت رويداً رويداً تتبنى بأشكال متعددة الفكر الاشتراكي وتصطبغ بلونه· وهو تطور لم يؤثر في سياسة الولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً في الفكر التقدمي ونظرته إلى حركة التحرر، إذ اعتبرها إحدى ثلاث قوى أساسية لعملية التغيير على النطاق العالمي إلى جانب قوة المنظومة الاشتراكية وحركة الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية·
وقد بنت الولايات المتحدة سياستها الخارجية أثناء الحرب الباردة على مرتكزات رئيسية لعل أبرزها التحالف مع الدول الغربية في إطار حلف شمال الأطلسي الذي أنشأته في الرابع من أبريل عام 1949 والذي ضم إلى جانبها وكندا عشر دول من الدول الأوروبية الغربية· فضلاً عن مساعدة الأنظمة التي تدور في فلكها (وبالذات الدول التي استقلت حديثاً) في آسيا وافريقيا أو الأنظمة القائمة في أمريكا اللاتينية، فضلاً عن محاولتها منع وصول القوى التقدمية إلى سدة الحكم بمختلف الوسائل ومنها التدخل العسكري كما حصل في حرب فيتنام أو في انقلاب شيلي على الرئيس سلفادور أندري 1973·
أما سياستها في الحرب الدعائية التي استعرت بين المعسكرين، فكانت أساساً تتركز في الدعوة إلى إشاعة الديمقراطية في الدول الاشتراكية على أساس أن هذه الدول محكومة بأنظمة شمولية بوساطة لا تقيم وزناً لحقوق الإنسان وهي تحكم تلك الشعوب بوساطة القوى والقهر· كانت الولايات المتحدة وحليفاتها في تلك الحرب الباردة ترفع شعار الديمقراطية وتتحدى به الأنظمة القائمة في المعسكر الاشتراكي·
لكن هذا الحماس إلى الديمقراطية والانفتاح واحترام حقوق الإنسان لم يكن له مصداقية أو بالأحرى كانت مصداقيته دوماً عرضة “للهتك” والانتقاد، ذلك أن الولايات المتحدة وحليفاتها الغربيات كانت دوماً تذكرها بتلك الأنظمة الموالية لها والدائرة في فلكها، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والتي لا تتوافر فيها أبسط الحريات الديمقراطية ولا يتمتع في ظلها مواطنوها بأدنى الحقوق المنصوص عليها في المواثيق الدولية، وأن جل هذه الأنظمة فاقدة للشرعية لأنها أتت عن طريق الانقلابات العسكرية أو عن طرق غير ديمقراطية أخرى·
وكانت حجة الولايات المتحدة وحليفاتها التي ترد بها على تلك الانتقادات بأن وجود “الخطر الشيوعي” المتمثل في الاتحاد السوفييتي وحلفائه يمنع الضغط على تلك الأنظمة “الصديقة”، وأن الضغط الذي يمارس ضدها يتم عن طريق “النصح” و”الإرشاد” وفي حالات الضرورة - وبالذات حينما تكون تلك الأنظمة آيلة للسقوط - فإنها - أي الولايات المتحدة - تقوم بتغيير رموز النظام مع الاحتفاظ بأسسه·
والغريب أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في فصول القرن الماضي الأخيرة في وضع مشابه لوضعها في أوائل ذلك القرن، اللهم إلا إذا كانت قوة من الدرجة الثانية في تلك الأيام، أما مع نهايات القرن الماضي فقد أصبحت القوة الوحيدة·
فهل يستقيم منطقها ذاك - المترفق بأصدقائها وحلفائها - مع حقائق الوضع الجديد؟! وللحديث بقية· |