| أصبح اختيار حاكم الكويت ليس شأناً داخلياً يهم الأسرة الحاكمة الكريمة وحدها بعد أن غدت الكويت تحت الحماية البريطانية منذ العام 1899· يصف لنا أمين الريحاني هذا الوضع السياسي الجديد في كتابه “ملوك العرب” الجزء الثاني (ص159) بقوله: “إن الوراثة أو الانتخاب في آل صباح يكون غالباً باتفاق بين الأسرة والحكومة البريطانية· على أن مباركاً رشح ابنه جابراً لولاية العهد دون أن يستشير الإنجليز”·
كان حكم جابر المبارك قصيراً (1917 - 1915) وكانت باكورة أعماله - كما يقول الرشيد - إعفاءه الكويتيين من ضريبة الثلث على العقارات التي أثقل بها أبوه مبارك كواهلهم وإرجاع بعض البيوت المغصوبة إلى أربابها “ص 230”· وعلى الجملة، كان الكويتيون راضين عن حكم الشيخ جابر· هذا ما ينقله لنا الرشيد دون أن يغفل إيراد ملاحظتين على عهده· يقول: “إن جابراً عاش سعيداً بين قومه ومات حميداً· ولم نر في أيامه ما يوجب الانتقاد إلا شيئين أحدهما جموده - رحمه الله - عن الإصلاح وعدم اهتمامه بنشر العلم في بلده·· ثانيهما: تغافله عن تطهير البلاد من الفساد”· (ص 232)·
وخلفه الشيخ سالم الذي حكم الكويت من (1921 -1917)· أما عن طريقة اختياره فيقول الريحاني: “تولى سالم الحكم لأنه يلي جابراً في السن، ولم يخلُ انتخابه من تدخل الوكيل السياسي (يقصد البريطاني) ولو في سبيل التحقيق· فقد سأل أعضاء الأسرة والمتوجهين من الأهالي إذا كانوا راضين بالشيخ سالم فأجابوا بالإيجاب”· (159)·
“أول أعماله - كمايكتب الرشيد - تخفيضه الجمرك إلى أربعة في المئة، وإسقاطه جمرك الخارج وتطهير البلد من الفسق حتى رتب مختارين في الأحياء لإزالة ذلك الدنس، فلهجت الألسنة بالثناء عليه لما أبداه من الغيرة على الآداب العامة والأخلاق الفاضلة”· (ص 233)·
ويعطينا الشيخ يوسف بن عيسى القناعي في كتابه الملتقطات (الذي نشر في عام 1367 هـ الموافق 1947 والذي طبع في مطبعة حكومة الكويت) يعطينا هذا الشيخ المعتدل تقييماً لعهد الشيخ سالم الذي لم يدم سوى ثلاث سنوات قائلاً: “ولما تولى ابنه سالم (يقصد ابن مبارك) أعلن الحرب على الإخوان من عشيرة مطير، ولم يراجع جماعته في ذلك، ولم يكن لإعلان هذه الحرب من سبب مبرر، فكانت العاقبة وخيمة على البلد وأهله· فقد ذهبت الأموال الجسيمة والأرواح العزيزة في وقعتي حمض والجهرة، واستخف الإخوان بأهل الكويت ولم تبق لهم قيمة في نظرهم”· ص 125·
بيد أنه لابد من القول إن عهد الشيخ سالم لم يخلُ من التشاور مع أهل الكويت ووجهائها· فمن المعروف أن بريطانيا قد منعت المتاجرة مع القبائل والتجار الذين كانوا يزورون شمال الجزيرة العربية وسورية وقت اندلاع الحرب العالمية الثانية وفرضت حصاراً على جنوب العراق وبالذات البصرة، وشمل ذلك الحصار ميناء الكويت أيضاً· ونجم عن ذلك الحصار نقص حاد في المؤن في سورية وغيرها حتى “صارت الناس تموت جوعاً في الأزقة والطرق” (خزعل ص 106)·
وكانت إحدى نقاط ضعف ذلك الحصار ميناء الكويت وسوقها، حيث اكتشفت السلطات البريطانية أن تجارالكويت يقومون بالبيع والمتاجرة سراً، فقد “وجد كثير من الأكياس التي كانت تحمل الشحن مكتوب عليها اسم الكويت” (نجاة عبدالقادر الجاسم، التطور السياسي والاقتصادي للكويت بين الحربين، القاهرة: 1973، ص 121)·
لذا استأذنت بريطانيا الشيخ سالم لوضع نقاط مراقبة، إلا أن الشيخ سالم تردد في ذلك وطلب مراجعة الوجهاء والتشاور معهم· وقد هدد التجار بالهجرة، حينما شاورهم الشيخ سالم بذلك الأمر، خصوصاً وأن تلك التجارة كانت تدر أموالاً طائلة، “وقالوا ليس في وسعنا القبول ولو ألجأتنا الضرورة إلى هجر الوطن”· (الرشيد، ص 239)· وعلى ذلك، طلب الشيخ سالم من الوكيل السياسي البريطاني أن “يحضر اجتماعاً له مع التجار، وبالفعل تم ذلك، وصرح الشيخ في أثناء الاجتماع عن استعداده للموافقة إذا ما أبلغته السلطات البريطانية رسمياً أن هناك ضرورة سياسية لإقامة مركز المراقبة” (الجاسم، ص 125)·
وتعتقد الدكتورة نجاة الجاسم أن الشيخ سالم “قد اتخذ من موقف التجار سنداً له في تشدده” حيث كان يحاول عصيان الأوامر البريطانية بسبب عاطفته الدينية وشعوره المؤازر للدولة العثمانية من طرف، ومن طرف آخر حنقه على السياسة الإنجليزية التي كانت تنظر إليه بدرجة أقل من ابن سعود (ص 120، 124)·
برزت مسألة “ترتيب بيت الحكم” كمطلب أساسي في اليوم التالي لوفاة الشيخ سالم، حيث انتقل إلى رحمة الله في ليلة الأربعاء 22 فبراير 1921· وقد شهدت الكويت في الأشهر السبعة الأخيرة من عهده معركتين كبيرتين خسرت فيهما الكويت الكثير من الأنفس والأموال: معركة حمض في 1920/10/10 حيث خسرت ما يزيد عن ثلاثين ألف جنيه وقعت في أيدي الأعداء غنيمة باردة، ومعركة الجهراء 1920/10/10، حيث استشهد فيها 300 كويتي تقريباً· وقد ذكر القناعي - كما بينا سابقاً - أن الشيخ سالم لم يستشر أهل الكويت بخصوص تلك الحروب· ولم يترك الشيخ سالم خليفة له، لكن أبرز المرشحين كانوا ثلاثة: الشيخ أحمد الجابر، الشيخ حمد المبارك والشيخ عبدالله السالم·
لذا لم يكن مستغرباً أن يتحرك الكويتيون، فاجتمع وجهاؤهم من أهل القبلة والشرق ديوان ناصر البدر بعد ظهر ذلك اليوم واتفقوا وتعاهدوا على الاتحاد واتفاق الكلمة وأن يسعوا إلى صلاح البلد وكتبوا عريضة بخمسة مطالب هي كالتالي:
1 - إصلاح بيت الصباح كي لا يجري بينهم خلاف في تعيين الحاكم·
2 - إن المرشحين لهذا الأمر هم الشيخ أحمد الجابر والشيخ حمد المبارك والشيخ عبدالله السالم·
3 - إذا اتفق رأي الجماعة على تعيين أي شخص من الثلاثة يرفع الأمر إلى الحكومة للتصديق عليه·
4 - المعين المذكور يكون بصفة رئيس مجلس شورى·
5 - ينتخب من آل الصباح والأهالي عدد معلوم لإدارة شؤون البلاد على أساس العدل والإنصاف·
وقد كتبت العريضة بخط الشيخ يوسف بن عيسي القناعي ووقعها ثمانية أشخاص لم يكن بينهم القناعي· ويقول الشيخ يوسف بن عيسى القناعي في رسالة أرسلها لشملان، جد المؤرخ سيف مرزوق الشملان، إنه بعد الاجتماع أرسل إلي الشيخ عبدالله السالم وسألني عن سبب الاجتماع فأخبرته، وبينت له المصلحة العامة في ذلك، ولم يبد أقل خلاف· وفي اليوم الثاني اجتمعت كل عائلة الصباح وأرسلوا إلى القائمين بالأمر وسألوهم عن سبب الاجتماع فتلونا عليهم ذلك· ولم يظهروا شيئاً يخالف فكرة الجماعة”· وتعددت الاجتماعات كما يظهر من رسالة القناعي وأصبح هناك تفهم لما ورد في العريضة من مطالب (الشملان 197 - 195)·
وعلى إثر ذلك، تشكل أول مجلس شورى في أبريل 1921 عن طريق الاختيار دون الانتخاب وكان من اثني عشر عضواً اختيروا مناصفة بين الحي القبلي وحي الشرق ترأسه حمد الصقر· ومن الغريب أن هذا المجلس لم يتضمن ولا شخصاً واحداً من موقعي العريضة “بل اختير بدلاً منهم بعض أفراد من العائلات الكبيرة المعروفة بجاهها وثرائها” - كما يقول الدكتور خليفة الوقيان - ويعلل ذلك بأنه “ربما يعود السبب إلى أن هؤلاء الأثرياء أكثر اعتدالاً من موقعي العريضة” (القضية العربية في الشعر الكويتي، الكويت: المطعبة العصرية 1977، ص 42)·
يقول حسين خلف الشيخ خزعل في كتابه (تاريخ الكويت السياسي، الجزء الخامس ص 14): “عقد ذلك المجلس أول جلساته فقرر أعضاؤه قبل البدء بأي عمل النظر في تنافس آل صباح على كرسي الإمارة”، وكانوا ثلاثة - كما ذكرنا - “فإن اتفق الثلاثة عى واحد منهم أقروه وإن اختلفوا فيما بينهم فيؤخذ رأي المعتمد السياسي البريطاني في الكويت فمن أقره منهم قبله المجلس من دون معارضة وإلا فان المجلس سينتخب من الثلاثة من هو أكثرهم لياقة وجدارة لهذا المنصب”·
وظهر الاتجاه في الجلسة الثانية أن من استقر عليه الاختيار هو الشيخ أحمد الجابر “فأقر المجلس مبايعته بالإجماع· فأقسم الشيخ أحمد لهم اليمين على الإخلاص بالعمل ودوّن لهم ميثاقاً خطياً” نص في مادته الرابعة “على المشاورة في الأمور الداخلية والخارجية التي لها علاقة بالبلد من جلب مصلحة أو دفع مفسدة أو حسن نظام” (ص 14، 15)· وقد اهتم هذا المجلس فيما اهتم بإصلاح القضاء ولكنه لم يعمر طويلاً·
يتبين لنا أن شؤون الأسرة الكريمة لم تكن يوماً من الأيام شؤونا خاصة لا يعيرها عامة الكويتيين الاهتمام، بل كانت دوماً محل انتباههم وباعثاً لهم لمناقشة أدق تفصيلاتها، وذلك لسبب بسيط وهو أن ما يحدث في هذه العائلة لابد وأنه مؤثر على هذا الوطن الصغير الذي اختاره هؤلاء للعيش فيه متكاتفين: حكاماً ومحكومين· وقد لاحظنا أيضاً كيف أن بقاء الشورى، التي تحولت فيما بعد إلى صيغة دستورية وفق نظام ديمقراطي يتناسب مع أوضاع الكويت، أقول لاحظنا كيف أن تلك الشورى البدائية قد جنبت الكويت محناً وآلاماً، في ظروف دولية صعبة، وكيف أن التخلي عن تلك الصيغة “الشوروية” ألحقت بنا أفدح الخسائر وقادتنا إلى سياسات أفقدت الكويت “هيبتها ومكانتها وقوتها ونفوذها”· ولعل حديث الدكتور أحمد الخطيب جاء ضمن هذا الإطار، وهو أن “ترتيب بيت الحكم” هو ترتيب للبيت الكويتي برمته· |