| كنت سأكتب تعليقا على ما ورد على لسان رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل المنشور في جريدة الرأي العام في الخامس من هذا الشهر والذي قال فيه “بأن السعودية ظلت طيلة الأعوام العشرة الماضية تحاول إقناع الولايات المتحدة بالمساعدة في إثارة تمرد داخلي ضد صدام حسين” أقول كنت أود أن أكتب حول هذا التصريح لأهميته نظرا لأنه يكشف حقيقة الموقف الأمريكي من نظام صدام·
ثم جاءت أحداث انفجار مجمع النفط، أو بالأحرى كارثة النفط، وهي الكارثة الحادية عشرة، في سلسلة الكوارث التي أخذت تحيق بنا نتيجة لغياب الرقابة والتسيب الوظيفي وإحلال الشركات ذات العمالة الرخيصة لإجراء الصيانة·
غير أن ما جرى في “اللقاء التشاوري” الذي عقده المنبر الديمقراطي ليل السبت 9/2/2002 قد جذبني أكثر للتعليق عليه، ليس لأن الموضوعين السابقين أقل أهمية، بل لأن الصحافة قد كتبت حولهما الكثير فما عساي أن أكتب أكثر· وبالتالي تركت لزميلي وجاري في الصفحة، السيد حميد المالكي ليعلق - إن شاء طبعا - على ما جاء على لسان الأمير تركي الفيصل·
وجدت أن ما أثير في اجتماع المنبر في تلك الليلة جدير بإلقاء الضوء عليه، إذ قد لا يأخذ حظه من المناقشة والتعليق في الصحف، أو على الأقل وجدت أنه يجب أن ندخله ضمن التاريخ المكتوب لمنبرنا الديمقراطي·
فقد لاحظ المجتمعون، بل شكوا مر الشكوى، من انحسار المنبر عددا وتأثيرا· وأرجع البعض ذلك الى تبني نواب المنبر في مجلس الأمة مواقف غير شعبية فيما يتعلق بجملة من المسائل كالمديونيات والخصخصة والتأمينات وقانون الجنسية (تجنيس ألفين من البدون)·
وجادل هؤلاء أن المنبر أصبح تجمعا انتخابيا أو بالأحرى لجنة انتخابية، لا هم لتلك اللجنة إلا إرضاء ناخبي منطقة “مترفة” تمثل الطبقة الأكثر ثراء في المجتمع· في حين نسي المنبر باقي مناطق الكويت، وبالذات تلك المناطق الشعبية التي ستتحمل وزر قرارات الخصخصة وغيرها، إذ كيف ينسى المنبر تلك المناطق وهو الوريث الشرعي والامتداد الطبيعي للحركة الوطنية التي كانت المدافعة الأولى - ومنذ الخمسينيات - عن الفئات والشرائح المسحوقة من أبناء هذا البلد· وأخيرا، إن هذه المواقف ليس فيها التزام ببرنامج المنبر·
وانبرى آخرون للحديث، بعضهم مع الرأي السابق وبعضهم ضد ما قيل والبعض الآخر قالوا كلاما إرضاء لكل الأطراف، هو أقرب الى كلام المجاملة منه الى كلام علمي محدد·
ثم رد النائب الأخ عبدالله النيباري بصفته ممثل المنبر في مجلس الأمة وبصفته قد وقع عليه اللوم والنقد شخصيا، رد محاولا بيان أن ما اتخذه من مواقف إنما هي نابعة من قناعاته ومن فهمه لبرنامج المنبر· وأنه - أي عبدالله النيباري - يرى أن هناك أزمة اقتصادية حيث يعاني اقتصاد الكويت من ركود، بل من توقف في النمو (واحد في المئة في السنة تقريبا) وأن ذلك يتطلب اتخاذ إجراءات تصلح من بنية الاقتصاد الكويتي، وهذه الإصلاحات يجب أن “يتجرعها” الجميع لأنها في صالح الوطن·
ونفى الأخ الفاضل عبدالله النيباري أن يكون المنبر قد تحول الى “لجنة انتخابية” وألقى باللائمة حول سبب ضعف المنبر وانحسار شعبيته وتناقص أعضائه على الحاضرين في ذلك الاجتماع، وحملهم المسؤولية وركز على أن هؤلاء لديهم خبرة في العمل السياسي والتنظيمي ولكنهم لم ينشطوا في مناطقهم ليخلقوا قواعد للمنبر ووضعا مؤثرا له في تلك المناطق·
والحق أن جو النقاش كان حادا ولم يخل من انتقادات - وفي أحايين كثيرة انتقادات لاذعة - مما لم يعهده المنبر في سنيه السابقة، إذ كانت اجتماعاته السابقة يسودها جو المجاملة والتصنع والتكلف واستدعاء رواد “ديوانية معينة” ليغمروا الموجوديون للاستفادة من وجودهم في التصويت على القرارات أو في انتخابات الهيئة التنفيذية·
ولعل تلك الأجواء كانت السبب الرئيسي في الانشقاق الأول الذي حدث في المنبر وكان عوده ما زال طريا· إذ خرجت منه مجموعة من الناشطين، ولم نفلح في إقناعهم بالعودة الى المنبر، وكونوا هم أنفسهم فيما بعد التجمع الوطني الديمقراطي· لقد طرحت في اجتماع ليل 9/2/2002 آراء متعددة بحرية خاصة يحسدنا عليها الجميع· ونحن لا نريد الوقوف فقط عندها بل لا بد أن نتخذها منطلقا للنقاش ومحركا للعمل والنشاط وأساسا لاتخاذ المواقف· واقتراحي المتواضع لجميع من ساهم في النقاش في تلك الليلة أو الذين التزموا الصمت لأن الآخرين قد عبروا عن أفكارهم، أقول لهؤلاء، لنغتنم وجود مجلة “الطليعة” ولنتخذها منبرا حرا لطرح آرائنا المختلفة ومناقشتها بأسلوب علمي بعيد عن التجريح· فكل الآراء التي طرحت قابلة للنقاش، وتبقى في النهاية كاجتهادات يتوخى المجتهدون من ورائها الصالح العام·
إذ إننا في عملنا ننطلق أساسا من قناعاتنا الذاتية دون أن نكون مدفوعين لهذا العمل التطوعي إلا من قوة تلك القناعات على ضمائرنا التي تنشد بناء كويت ديمقراطي علماني يسوده الرخاء والمحبة·
ولا يمكن أن يتأجج النقاش بيننا وتكون “الطليعة” عنه في واد آخر، بل لا بد أن تكون صفحاتها زاخرة بآراء وأفكار وأطروحات رفاق الدرب، الذين لم يسعوا الى تسنم المناصب أو اللهاث وراء جمع المال أو نشدان الجاه أو الشهرة، بل كانوا دوما أمينين لقناعاتهم وما تفرضه عليهم ضمائرهم· |