| بعد ثلاثة أسابيع يذهب الكويتيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب مجلس أمة جديد، وتمثل هذه الممارسة تأكيدا للديمقراطية التي انتهجها نظام الحكم في البلاد منذ وضع البلاد على المسار الدستوري بعد الاستقلال عام 1961، لكن هذه الديمقراطية الكويتية مازالت تعاني من قصور وتشوهات لابد من معالجتها والبلاد والمنطقة مقبلتان على تحولات بحكم المتغيرات الواقعة والمحتملة ومن أهم معالم القصور هو غياب المرأة الكويتية، حتى الآن، عن المشاركة في الانتخابات تصويتا وترشيحا بالرغم من الإرادة الأميرية السامية التي عبر عنها في المرسوم الأميري الصادر في مايو “أيار” 1999··· كذلك لا يزال الشباب الذين تقل أعمارهم عن الحادية والعشرين وتزيد عن الثمانية عشرة، لا يزالون مستبعدين عن المشاركة في التصويت··· أهم من ذلك أن العمل السياسي في الكويت مازال مهمشا نظرا لعدم وجود قانون ينظم الأحزاب والمنظمات السياسية التي تعتمد برامج سياسية واقتصادية يتم التوافق حولها من المجاميع البشرية في البلاد·
ولذلك فإن الانتخابات، وإن شاركت فيها التنظيمات السياسية غير المقننة، تتمحور حول شخصيات المرشحين وانتماءاتهم القبلية والطائفية وربما الفكرية أحيانا·
بطبيعة الحال إن الكويت ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من مثالب الممارسة السياسة في دول العالم الثالث التي تتبنى الديمقراطية كأساس لنظام الحكم، فهي مازالت تعاني من مشكلات التخلف الاجتماعي والثقافي ومعضلات التنمية غير المتوازنة·· لكن يمكن القول إنه بعد أربعين عاما من المشاركة في الانتخابات وإرهاصات الصراع السياسي مازالت البلاد تواجه معضلات مهمة في العمل السياسي والتي تحول دون الانطلاق بعزيمة واضحة نحو الديمقراطية الحقيقية المبنية على الحرية الثقافية والفكرية وحقوق الإنسان والعدالة· وقد يجد البعض إجابات سريعة لتحديد تلك المعضلات، وربما يحملها البعض الآخر للسلطة السياسية الحاكمة ودورها في الحد من التطور الديمقراطي، وهناك أسباب وجيهة لهذه الطروحات·· بيد أن الأمر أعمق من مثل هذه التفسيرات، حيث توجد مشكلات من قبل التخلف المجتمعي وتأثيرات منظومة القيم والتأثيرات الإقليمية وتخلف أنظمة التعليم التي لم تستوعب التطورات الجارية في العالم·· كذلك لابد من أن نؤكد أن المناخ السياسي الراهن في البلدان العربية مازال يمانع أي تطورات ديمقراطية حقيقية في أي من البلدان ،ولابد أن الكويت تتأثر ولو إلى حدود معينة بذلك المناخ··
وعندما نستعرض أوضاع الانتخابات الراهنة فإن المرء لايجد ما يطمئن بأن المجتمع السياسي الكويتي قد طور من رؤيته لمستقبل الديمقراطية في البلاد، حيث إن الطروحات لا تمثل برامج انتخابية متماسكة··· وإذا كان المرء لا يلوم المرشحين المستقلين التقليديين والذين لا يمثل معظمهم سوى أنفسهم وطموحاتهم الخاصة، إلا أن القوى السياسية العاملة في المساحة لم تقدم ما يؤكد قدرتها على تلمس ملامح المستقبل وكيفية تجاوز المعضلات الراهنة·· إن ما لا شك فيه أن هذه القوى تعاني من استمرار تعلقها بالقيم والمعتقدات السياسية القديمة التي أرست معالمها خارج الكويت، سواء كانت ذات جذور قومية عربية أم اشتراكية أم إسلامية، ولم تلتفت هذه القوى إلى الأوضاع الكويتية إلا بعد الاحتلال العراقي في عام 1990، وإن كان ذلك بفعل الأضرار وخطورة الأمر على المصالح الوطنية·· وظلت المسائل المتعلقة بالإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد ذات أولوية هامشية، كما أن هذا الاهتمام بالقضايا الوطنية عاد وانتكس خلال السنوات الأخيرة بفعل زخم الأحداث العربية، ومنها الانتفاضة الفلسطينية·
إن الديمقراطية في الكويت تتطلب معالجات واضحة من قبل جميع الأطراف ذات الصلة، فلا شك أن السلطة في البلاد يجب أن تعي أن مصلحتها ومصلحة البلاد تكمن في الاستمرار وتعزيز الحياة الديمقراطية·· لذا لابد من تلافي السلبيات والاهتمام بتطوير المؤسسة التشريعية من خلال تقديم اقتراحات لإصلاح النظام الانتخابي والعودة لنظام الدوائر العشر لإزالة التخريب الذي حدث وأدى إلى تفشي ظواهر العصبيات القبلية والطائفية والفساد·
من جانب آخر فإن القوى السياسية لابد أن تحسم أمورها وتحدد مدى علاقاتها بالتطورفي البلاد وعليها أن تبتعد عن القيم والمعتقدات التي لا تمت للكويت بصلة وتعمل على تجنب الفرز الإيديولوجي والتأكيد على أهمية التحاق الكويت كنظام سياسي بركب الحضارة الإنسانية·· ولا يجوز أن تقوم قوى سياسية في الكويت بتبني قيم ومعتقدات منظمات عربية أو إسلامية تمارس أعمالاً إرهابية أو تحث على مواجهة العالم بما يتناقض مع مصالح الكويت الوطنية·
قد تكون مفاجأة مؤسفة لو البرلمان المقبل المنتخب بأعضاء لايملكون تصورات واقعية لمتطلبات الإصلاح والنهضة في الكويت·· كما أن الأعضاء المنتخبين الذين يأتون لمجلس الأمة من أجل أمجاد شخصية واهتمامات محلية للناخبين في دوائرهم لن يؤدوا الدور في الإصلاح والتطوير·· وقد يكون المرء متفائلا إذا توقع أن الانتخابات في ظل توزيع الدوائر الحالية، ستأتي بنواب على مستوى الأحداث ولذلك يصبح دور السلطة السياسية مهما في توفير سلطة تنفيذية متمكنة تضم وزراء يملكون القدرات القيادية والاختصاصات والخبرات المناسبة·· لكن تظل هناك دوائر يمكن أن تفرز عددا من النواب المتمكنين والذين ربما يسعون لإنجاز المتغيرات السياسية المواتية·· هناك ضرورة بأن يعي المجتمع الكويتي أهمية التحولات الجارية إقليميا ودوليا وكيف يمكن أن تصبح الكويت دولة فاعلة في المنطقة· |