|
فقدت الكويت مركزها التاريخي كميناء تجاري على رأس الخليج العربي في الثلاثين سنة الأخيرة، بسبب تلك السياسات التي إما أنها ركنت إلى الثروة النفطية وتوزيعها بأشكال متباينة على المواطنين من قبل الدولة، أو بمغالاتها في النواحي الأمنية وخصوصاً أيام الحرب الإيرانية العراقية، بحيث أصبح الدخول إليها من “رابع المستحيلات”، أو بسبب تخلف أنظمتها وقوانيها وقلة التسهيلات التي تقدمها مقارنة بالمناطق المجاورة·
ولاشك أن تأسيس الكويت قد ارتبط بموقعها الذي ساعد على بروزها كميناء تجاري على رأس الخليج العربي يجاور ثلاث مناطق مهمة: جنوب العراق، وجنوب غرب إيران وشمال شرقي نجد· ولا غرابة أن تكون تلك المناطق هي أكثر المناطق التي تعامل معها تجار الكويت في تجارة إعادة التصدير·
ولو أمعنا النظر لما وجدنا أن في الكويت عوامل تدفع بظهورها كميناء مهم سوى موقعها· فأرضها جدباء لا ماء فيها، فضلاً عن افتقارها للموارد الطبيعية الأخرى· ومع ذلك، فإن الكويتيين الذين عمروها منذ بدايات القرن الثامن عشر (1715 تقريباً) استطاعوا بفضل مهاراتهم واستغلالهم لموقعهم أن يحولوا هذه البقعة الجدباء إلى أكبر ميناء في الخليج العربي في القرن التاسع عشر· فلا عجب والحال هذه، أن يذكر الرحالة كرستين نيبور في العام 1765 أن عدد السفن التي يمتلكها الكويتيون تربو على 800 سفينة· بمعنى آخر، إنه بعد نصف قرن تقريباً من تأسيس الكويت صار لأهلها هذا الأسطول البحري الضخم بمقاييس ذلك الزمان، وبمقاييس عدد سكانها الذي لم يكن يتجاوز الأربعة آلاف نسمة إلى منتصف القرن التاسع عشر·
ولا شك أن الذي كان يسير هذا الأسطول الضخم لم يكن أهل الكويت فحسب، أقصد لم يكونوا سكانها القاطنين بها وحدهم، بل كانت هناك هجرات موسمية من أهل البادية وأهل بر فارس، يأتون في المواسم ويدخلون البحر للسفر والغوص، ثم في نهاية كل موسم يطفقون راجعين إلى ديارهم، تشبه حالهم حال “عمال التراحيل” في أيامنا هذه·
وبفعل هذا النشاط التجاري الخلاق الذي شمل مناطق الخليج العربي وشمال نجد والهند وعدن وشرق إفريقيا، كوّن تجار الكويت ثروات طائلة بمقاييس زمانهم·
فها هو أحدهم - وهو من أشهر تجار اللؤلؤ في أوائل القرن الماضي - يمتلك سبعة ملايين روبية، كما يروي الشيخ يوسف بن عيسى القناعي في كتابه “صفحات من تاريخ الكويت” ص 67، هذا في الوقت الذي كان فيه الأجر اليومي للعامل لا يتجاوز الروبية الواحدة بأي حال من الأحوال!! بل لقد وصل ثراء البعض من هؤلاء التجار أنهم كانوا يقرضون أو يقدمون مساعدات مالية لبعض الحكومات والأمراء في المنطقة· ومن أراد التأكد من ذلك فما عليه سوى مراجعة “ملاحق” كتاب سيف مرزوق الشملان “من تاريخ الكويت” الطبعة الأولى، 1959، ليتأكد بنفسه·
ولعل ما ساعد الكويت على نموها وازدهارها التجاري، روح التسامح الديني الذي كان شائعاً بين أهلها: حكاماً ومحكومين في الوقت الذي كان التعصب الديني يسود محيطها، فضلاً عن تسهيل حكامها لأمور التجارة وعدم تدخلهم في أحوالها، إلى جانب حالة الأمن والطمأنينة التي كان يستشعرها كل من يسكن فيها·
هذه العوامل أدت إلى ازدهار الكويت يوم لم يكن لها سوى موقعها المميز·
ترى كيف ستكون حالها لو توافرت تلك العوامل مرة أخرى، في زمن تمتلك فيه إلى جانب موقعها ثروة نفطية هائلة، وشعباً على جانب كبير من العلم والثقافة؟؟ |