| مع بلوغ أسعار النفط ستين دولارا للبرميل الواحد، تدخل المنطقة العربية، بالذات دولها النفطية في مرحلة تاريخية جديدة، تستعيد بها أمجاد مرحلة ما بعد حرب أكتوبر في العام 1973· ولا شك أن الدول العربية النفطية والدول غير النفطية وعلى وجه الخصوص تلك المرسلة للعمالة قد استفادت من تلك الفورة في عائدات النفط، إلا أن تلك الاستفادة لم تكن بالحجم المطلوب، فضلا عن هدر كبير شهدته تلك الحقبة تمثل بالحرب الإيرانية العراقية واحتلال الكويت وصراعات عربية بينية أو داخلية أخرى· ولعل الحالة العلمية التي تعيشها الأقطار العربية حاليا مقارنة بنظيراتها في السبعينات من الدول الآسيوية، التي غدت فيما بعد "نمورا" ناهيك عن الدول المتقدمة، تثبت لنا مدى هزالة نتائج تلك المرحلة بل حصادها المر·
بين أيدينا كتاب حديث وضعه اثنان من المتخصصين (الدكتوران ناصر الصانع ومحمد بديع) ونشره المعهد العربي للتخطيط ومقره الكويت، والكتاب تحت عنوان: "التعليم وسوق العمل في الأقطار العربية" يضم بين دفتيه سيلا من الأرقام والإحصائيات "المقلقة"!! ونستميح القارئ الكريم عذرا إن نحن أثقلنا عليه بإيرادنا بعضا من تلك الأرقام لنتبين معا كيف ذهبت أموال تلك الحقبة الذهبية هباء منثورا·
الأمية وازدياد أعدادها المطلقة في البلاد العربية أو ما يصدم القارئ، إذ كانت في العام 1970 نحو 49 مليون أمي أصبحوا 68 مليونا بحلول العام 2000· وما زالت معرفة القراءة والكتابة لا تخص سوى %61 من سكان الوطن العربي من ذوي الأعمار 15 فما فوق· ويقل متوسط الالتحاق بالمدارس في الوطن العربي عن المعدلات العالمية، فقد كانت في العام 1997 نحو %58 مقارنة بالدول المتقدمة حيث سجلت نحو %86· ومن بين دول العالم الـ 199 يوجد 26 دولة من دون تعليم إلزامي، لكن بين الـ 21 دولة عربية ثمان منها من دون تعليم إلزامي!! ويتفاوت بشدة عدد طلاب التعليم العالي لكل مئة ألف نسمة بين الدول العربية، حيث نجده في العام 1995 في لبنان والكويت 2715 و2247 طالبا على التوالي، مقارنة بـ 272 في السودان و22 طالبا فقط في جيبوتي· أما حظ الإنفاق على التعليم العام فقليل، إذ يبلغ مقسما على عموم السكان نحو 115 دولارا في العام 1995 مقارنة بـ 1211 دولارا في الدول المتقدمة·
هذا المستوى المتواضع لما وصل إليه العرب في مجال التعليم ينعكس في نواح ثقافية وحضارية في حياة الإنسان العربي وتمتعه بثمرات التقدم· خذ على سبيل المثال قراءة الصحف فهي لا تتجاوز الستين نسخة للألف نسمة في العام 1996· أما توزيع الكمبيوتر فكان في العام 2001 نحو 75 لكل مئة ألف نسمة في مصر، في حين بلغ العدد في ماليزيا 512 أي نحو سبعة أضعاف ما في مصر· ومستخدمو شبكة الإنترنت ما دون الشخص الواحد كثيرا (0.2) للألف نسمة في البلاد العربية مقابل 18 شخصا تقريبا في البلاد المتقدمة· وفي بلادنا 1.5 آلة فاكس للعدد نفسه من السكان، و24 عندهم تقريبا· وضعف الإنفاق على البحث العلمي واضح في دولنا، فقد كان مقسوما على عدد السكان نحو 14 دولارا مقابل 354 دولارا في الدول المتقدمة· وفي العام 1995 بلغ الإنتاج العلمي للدول العربية مجتمعة 6652 بحثا في حين بلغ العدد في إسرائيل وحدها 10206!! لا عجب إذن إن مثلت حصة صادرات بعض الدول العربية للمنتجات عالية التقانة الى مجموعة صادراتها رقما تافها يخجل المرء من ذكره بينما هي في دولة كماليزيا تمثل %57!!
إذا ظلت الأوضاع كما هي عليه الحال ومرت "الفورة النفطية الجديدة" مر السحاب، فإن استشراف الكاتبين لما سيكون عليه الأمر في العام 2015 سيصدق· سيصل عدد العرب عندئذ الى 389 مليون نسمة نحو 125 مليون منهم دون الخامسة عشرة من أعمارهم، وسيكون 44 مليون طفل تقريبا بعيدين عن مقاعد الدراسة، وستكون ثمة حاجة الى مليون و470 ألف مدرس لمرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي· أما قوة العمل فستكون في حدود 152 ملايين وبالتالي لا بد من أن يتوافر لهذا العدد ثلاثة ملايين فرصة عمل سنويا·
لعل القارئ الكريم قد شبع من هذه الأرقام التي لا تدعو الى التفاؤل· وقد أوردناها لنبين أننا أمام فرصة تاريخية لإصلاح الأوضاع والاستفادة من العوائد النفطية الهائلة التي أخذت تدخل خزائن دولنا النفطية وآثارها أخذت تظهر في الارتفاعات الحادة في كل البورصات العربية بما فيها الدول غير النفطية كمصر والأردن· وأيضا في ارتفاع أسعار العقار وحركة البناء الواسعة والتوجه لتمليك الأجانب وتشجيع الاستثمار الأجنبي· وسيظل هذا الانتعاش الاقتصادي وقتيا وهامشيا إن لم يشرك به أكبر قطاع من المواطنين وبالذات في الدول العربية الخليجية عبر تحويل قوة العمل المحلية من قطاعات الدولة الى قطاعات منتجة أخرى· وهذه العملية لا يمكن أن تتحقق دون تنويع الاقتصاد وربط مخرجات التعليم بسوق العمل واستخدام التقنيات المتطورة في جميع مجالات الحياة وبالذات في الأعمال الإدارية والإنتاجية·
من دون إصلاح اقتصادي واستثمار فوائض الأموال النفطية التي أصبحت تتراكم لا يمكن إحداث إصلاحات سياسية - وهي بالمناسبة - أصبحت "موضة" هذه المرحلة، ذلك أن المشاكل الاقتصادية كتفشي البطالة (وهي منتشرة حتى في الدول الخليجية النفطية) والفقر والتفاوت الكبير في الدخول ستئد أي عملية إصلاح سياسية جدية وستفتح المجال الواسع أمام الخطاب "الشعبوي" الذي يدغدغ عواطف الجماهير ويلهب خيالها دون أن يقدم لها حلولا عملية قابلة للتطبيق· والإصلاح السياسي عملية مطلوبة كي نستفيد من هذه الحقبة وثرواتها من خلال الرقابة الشعبية ضمانا لعدم تكرار ما حصل من هدر في السبعينيات·
إن إهدار الثروة في فورة السبعينات النفطية قد أخرج لنا أشخاصا مثل ابن لادن، أما استثمار الثروة الحالية وتدبيرها فأغلب الظن إنه سيخرج لنا أشخاصا مثل بل غيتس·
alyusefi@taleea.com |