| بعد موافقة حكومة يوغسلافيا على الانسحاب من إقليم كوسوفو ودخول قوات دولية لهذا الإقليم وعودة مواطني الإقليم الى ديارهم، بعد فترة طويلة من الآلام والتهجير العرقي، يتضح أن العالم يتجه نحو آليات جديدة للتحكم بالنزاعات المحلية والإقليمية·· وبات واضحا أن إمكانات رفع الظلم عن شعوب عديدة محكومة من قبل أنظمة ديكتاتورية لم تعد ممكنة من دون تدخل من دول كبرى، أو من قبل الأمم المتحدة· ولذلك لم يعد بالإمكان الاعتداد بالسيادة الوطنية لاستمرار الظلم والعدوان على الشعوب المقهورة من حكامها، ولم يعد التدخل الأجنبي أو الدول - سمه ما تشاء - أمرا خبيثا، بل هو في غالب الأحيان أمر حميد إذا كان الهدف هو تخليص هذه الشعوب من القهر والظلم والاستبداد·· إن مفهوم السيادة الوطنية ليس مفهوما أو مقبولا، إذا كان يقترن باستمرارية حكم وحشي يهدف الى استمرار طغيانه وبعودته لشعبه من دون ترخيص شرعي من قبل هذا الشعب·
ولقد دفعت يوغسلافيا، وقبلها العراق، تكاليف بشرية ومادية ضخمة قبل أن ترضخ لإرادة المجتمع الدولي وتقبل بكافة الشروط التي أمليت عليها· ولكن هذه التكاليف المهمة هل يمكن أن تعوض؟ وهل المجتمع الدولي مستعد لتحمل إعادة الإعمار وإعادة تأهيل المجتمعات ذات الصلة من دون تغيير النظام الحاكم؟ هذا السؤال المشروع يتطلب مواجهة من الدول التي اضطلعت بعمليات عسكرية ضد هذه الأنظمة، حيث لا يعقل أن تستمر هذه الأنظمة الرعناء في الحكم بعد أن هزمت عسكريا، وبعد أن تسببت بالويلات للشعوب التي تحكمها·· إن من حق هذه الشعوب أن تختار أنظمة سياسية تتوافق مع أمانيها وتحررها من الخوف، من البطش والظلم، أو من دفعها لويلات الحروب والصراعات الإقليمية·· ويجب على المجتمع الدولي أن يصيغ آليات ويحدد وسائل لتغيير هذه الأنظمة بمختلف الوسائل حتى لا تتحمل هذه الشعوب عذابات طويلة· ولا شك إننا إذا نظرنا لخارطة العالم فإننا سنجد أن العديد من الدول تعاني من وجود أنظمة مستبدة، وهذا يمكن ملاحظته في جنوب شرقي أوروبا، مثل النموذج اليوغسلافي، أو في الشرق الأوسط، كالنموذج العراقي، وبلدان آسيا الشرقية، ناهيك عن العديد من دول أفريقيا جنوب الصحراء·
ومن دون ريب ونحن نستعد للولوج في القرن الحادي والعشرين فإن النظام العالمي الجديد إذا أريد له أن يكون فعالا، بحيث تستفيد شعوب العالم من اقتصاديات العولمة، فإن الأنظمة السياسية يجب أن تواكب متطلبات العصر من انفتاح وشفافية وديمقراطية·· لقد ظلت شعوب عديدة تعاني من ويلات القهر خلال العقود الثلاثة الماضية من دون أن تتمكن من تغيير أوضاعها، وظلت دول العالم بعيدة عن التدخل في ظل منطلقات السيادة والاستقلال، لكن هل يمكن أن يستمر هذا الظلم، ونحن نعلم أن إمكانات شعوب عديدة شبه معدومة لتغيير واقعها السياسي؟ وإذا كان لا بد، في أغلب الأحيان، تجنب الدخول في حروب ونزاعات من أجل تغيير هذه الأنظمة، أليس هناك آليات مبتكرة لإنجاز التغيير من خلال آليات سلمية··؟ ومن هذه الآليات إحالة الحكام المستبدين، مثل مالوفيتس، الى المحاكمة الدولية، وبث الرعب في قلوب الطغاة بأنهم لن يستطيعوا الهروب من مصيرهم، وأن محاكمتهم على جرائمهم ضد الإنسانية وجرائم الحرب لا يمكن تفاديها، سواء عند انتقالهم الى أي من بلدان الديمقراطية أو في حالة انهيار حكمهم·
كذلك لا بد من اتباع وسائل مثل قطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية وفرض المقاطعة الاقتصادية على الدول المحكومة من قبل طغاة ومجرمي حرب·· من جانب آخر هناك إمكانيات كبيرة لتبني المنظمات المعارضة في هذه البلدان وتقديم الدعم المعنوي والمادي لها، وتوحيد صفوفها من أجل المساهمة في إنجاز التغيير المنشود·· كل هذه الوسائل قد تصبح ذات فعالية في دفع هذه البلدان نحو التحرر والديمقراطية· وقد يحدث، نتيجة لهذه الضغوط الدولية، أن يتجاوب أحد الطغاة ويفتح بلاده ويحرر القوانين ويتجاوب مع مطالب الديمقراطية، وليكن·· فإن هذا التجاوب لا بد أن يطيح به في نهاية المطاف، لأن هذه الشعوب لا يعقل أن تقبل باستمرار الطغاة عندما تتاح لها التعامل مع آليات الديمقراطية الحقيقية·· ولقد أثبتت ذلك تجارب عديدة في أمريكا اللاتينية، مثل تجربة تشيلي وباراغواي·· بطبيعة الحال هناك أنظمة لا يمكن أن تنفتح سياسيا لأن معنى ذلك هو انهيارها، وهذه الأنظمة من التشدد والطغيان ما يجعلها تؤمن بشعار "أنا ومن بعدي الطوفان··"·
إن العالم الذي يحرز، يوما بعد آخر، تطورات مهمة في مجال الديمقراطية ويندفع في مجال تحقيق أفضل الحقوق للإنسان، هذا العالم لا يمكن أن يقبل استمرار أنظمة القمع والاستبداد·· ولذلك فإن قيام دول العالم الحر المتمكنة سياسيا واقتصاديا وعسكريا من وضع آليات للتدخل من أجل إنقاذ الشعوب بات أمرا ملحا، حيث إن استمرار الظلم سوف يزيد من فوارق المعيشة في عالم يتجه نحو التوحد والاندماج·· وبذلك تصح التسمية التي تطلق على هذه الأنظمة وتصفها بأنها أنظمة خارجة على القانون، ومن يخرج على القانون، قانون الديمقراطية، يجب أن يتم اعتقاله وتحرير الشعوب منه·· لم يعد دور الأمم المتحدة التدخل لحل النزاعات بين الدول وتوفير الوسائل للحد من هذه النزاعات، بل أصبح من الأهمية بمكان تطوير آليات لإنهاء الظلم والطغيان في بلدان عديدة، وإعادة تأهيل الشعوب، بعد زمن طويل من الديكتاتورية، من أجل ممارسة الديمقراطية! |