| أسرار عجيبة وغريبة يزدحم بها المشهد العراقي والمأساة المروعة التي يعيشها شعبنا العراقي في ظل أقسى أنواع القمع والإرهاب·
إن آلاف الجرائم التي ارتكبها النظام ماتزال غامضة وهي غالباً ما تنفذ بمواطنين تم اختطافهم بطريقة سرية بالغة وأصبح مصيرهم مجهولاً منذ سنين، كذلك هناك أساليب لاتزال مجهولة يمارسها النظام في تصفية خصومه السياسيين، وهذه وتلك يجب الكشف عنها وتوثيقها واطلاع الرأي العام عليها ومحاكمة ومعاقبة مرتكبيها·
وفي هذه الحلقة نعرض عدداً من الأساليب في قتل المواطنين وهي تنشر لأول مرة حيث أمكن الحصول عليها مؤخراً·
* * *
قاعة المعتقل في السراي الكبير الذي يقع في الجزء الأصغر من المدينة ويطلق عليه الأهالي "ذاك الصوب"، وهو الجزء الذي يضم دوائر الأمن والتجنيد والأحوال المدنية والمحكمة والقائم مقامية ومنازل كبار الموظفين·
قاعة السراي تضم مئتين وعشرين معتقلاً ويجري إخراج مجموعات منهم من قبل رجال الأمن والحزب الحاكم حيث يعذبون ثم يعودون بهم إلى القاعة، يرمونهم في غرفة الحرس ويفتحون الباب الحديدي ليجري إدخالهم من قبل زملائهم المعتقلين·
العمل يجري ليل نهار· اعتقالات· مداهمات، ملاحقات ومطاردات·····
* * *
سالم هو المعتقل الوحيد الذي استعد لمواجهة الاختبار، لكنه كان ضمن آخر مجموعة جرى استدعاؤها في ساعة متأخرة من الليل، ذلك الليل البهيم الكئيب، ليل الدم والإرهاب والريح المسمومة التي هبت على تلك المدينة الجميلة الوادعة المستريحة على ضفاف نهر الفرات الخالد· إنها السلطة· شهوة الحكم· الاستبداد والقهر وإهدار الكرامة وامتهان الإنسان إلى أقصى حد·
* * *
هذه المرة تأخرت وجبة المعتقلين الذين كان سالم معهم· لم تعاد إلى المعتقل منذ خمسة أيام وسرت شائعات بأنهم ماتوا جميعاً بالتعذيب أو أنهم نقلوا إلى مركز المحافظة بعد أن عجز المحققون عن استنطاقهم وغير ذلك الكثير·
لكن مدرس الرياضيات المعتقل استطاع بحنكته الرياضية أن يستشف الخبر الصحيح من (كاكه عمر) وهو عريف شرطة كردي وكان أبيض، قصيراً، سريع الحركة وهو متعاطف مع المعتقلين، لكنه تعاطف بسيط مشوب بالحذر والخوف ولعل اختلاطه بعوائل المعتقلين حينما يأتي الأمهات والأخوات والزوجات والأطفال الصغار ويزدحمون أمام الباب الرئيسي للسراي حاملين الأغذية والأدوية وبعض الحاجات إلى أبنائهم المعتقلين وهو يستمع إلى قصصهم ويتفاعل مع معاناتهم حيث النسوة تلهج باسمه: كاكه عمر، كاكه عمر، كاكه عمر يتوسلن إليه أخذ الأمتعة·· حتي أصبح كاكه عمر جزءاً حياً ومألوفاً وبارزاً في أحداث وقضايا وخفايا السراي واكتسب شعبية لدى أهالي المعتقلين·
* * *
بعد منتصف الليل بقليل، دخلت مجموعة من رجال الأمن وعناصر الحزب الحاكم· أيقظوا المعتقلين بطريقة وحشية ولا أخلاقية وبدأوا يدوسونهم بالأحذية وهم نيام وطلبوا منهم الوقوف ثم دفعوهم إلى ركن القاعة الشمالي وأمروهم بسب وشتم سالم· قالوا لهم: لقد مات المجرم سالم وهذه ساعته اليدوية وعلى كل واحد منكم أن يسبه ويشتمه···· المعتقلون حزنوا لفقد زميل لهم ولكنهم فرحوا لصموده وتمريغ هؤلاء بالوحل وعار الهزيمة، وسرى صمت بينهم بأن يكونوا مثل سالم· يقتدون به ويستلهمون شجاعته وموقفه العظيم·
لم يتقدم أحد ورفضوا جميعاً سب وشتم سالم ما عدا واحدا فقط من بين أكثر من مئتي معتقل· فصل الجلاوزة هذا الشخص الجبان وبدأوا بضرب المعتقلين بشكل عشوائي بأعقاب الرشاشات وتركوا المعتقلين ينزفون الدماء وخرجوا····
* * *
وبسرعة البرق وصل الخبر إلى أهالي المعتقلين الذين تجمهروا أمام باب السراي وكاكه عمر وسطهم وارتفع العويل والبكاء حينما أكد لهم أن المعتقلين ضُربوا بعنف وباتوا ليلتهم وهم يدارون جراحهم····
هذه المرة بدا كاكه عمر أكثر تعاطفاً مع محنة الأهالي والمعتقلين، وبدا على استعداد لأن يخدمهم أكثر متجاوزاً حاجز الخوف·
* * *
أعيد المعتقلون من مجموعة سالم ناقصين أربعة أحدهم سالم وبدأوا يتحدثون عن التعذيب الذي تلقوه على أيدي حفنة من المجرمين من رجال الأمن ومسؤولي وأعضاء الحزب الحاكم الذين كانوا أكثر وحشية وكيف أن سالم اختطفوه من بينهم وهم لا يعلمون عنه شيئاً وذلك أثناء تواجدهم في أحد مقار التعذيب وذكروا قصصاً مروعة عن الجرائم التي ارتكبها المجرمون (عمّار) و(الآلوسي) بحق كوكبة من ألمع شخصيات العراق وأنقاهم وطنية وأكثرهم تضحية وتحدثوا عن رحلاتهم بالقطار والسيارات وأيديهم مكبلة إلى الخلف بالكلبشات طيلة الأيام التي فارقوا فيها معتقل السراي، وتحدثوا عن البطلة (سافره) وكيف أنهم فصلوا رأس زوجها ثم قطعوا جسده ورموا الرأس والقطع عليها وهي في زنزانتها الانفرادية لكنها ظلت صامدة تبصق بوجوههم حتى النهاية···
وسألوا عن أحوال المعتقل والسراي وكاكه عمر ومعاون الشرطة (محمد) وكان برتبة ملازم وكيف أنه كان شجاعاً حينما رفض أمراً ضد المعتقلين صدر إليه من أوباش حزب البعث العراقي الحاكم·
* * *
حتى هذه اللحظة لم يكن أحد يعلم بمصير سالم، ومن بين عشرات الاحتمالات والتكهنات يظل الخبر الصحيح عند استاذ الرياضيات الذي سربه كاكه عمر، لكنه لا يود البوح به وربما أخبر به أحدا لكن عندما يُسأل فإنه يتجاهل السؤال ويصمت أو يحول مجرى الحديث (لأسباب أمنية يعيها المدرس أكثر من غيره) لكن الذي ينظر إلى وجهه حينما يلقي عليه السؤال يستشف شيئاً من الاطمئنان بل ويسكن بعض قلقه ويهدىء أوار حيرته وكأنه يقول: اطمئن، ولكن لا أحد يعرف نوع هذا الاطمئنان· لقد أصبح سالم اسطورة إذ لا يعلم عنه أحد حتى المعتقلون الذين ينقلون من مدينة إلى أخرى ويمرون على معتقل السراي ليقضوا ليلة أو ليلتين قبل مواصلة رحلتهم لا يعرفون عن سالم هذا أي شيء····
* * *
وفي ليلة العاشر من أبريل سمع المعتقلون حركة وضجّة· المستيقظون خرجوا من القاعة فوجدوا رجال الأمن وأعضاء الحزب يقتحمون السراي ويرمون شخصاً ينزف دماً وملابسه ممزقة وشعره محروقاً ثم خرجوا وأغلقوا باب المعتقل···
اجتمع المعتقلون حول الرجل وقلّبوه فصاح بعضهم: إنه سالم· أجل سالم وعلى الفور حضر الأطباء الأربعة المعتقلون وبدأوا معالجة سالم لكنهم يحتاجون أشياء كثيرة منها المعقمات والضمادات والحقن والدماء وهذه غير متوافرة وهم إذا طالبوا إدارة المعتقل فقد يلجأون إلى قتله هذه المرة فجمع المعتقلون مما توافر لديهم من نقود وأعطوها رشوة إلى آمر الحرس الذي جلب الكثير من تلك المواد وبطريقة سرية وبعد يومين استطاع سالم أن يجلس ويأكل بسهولة بل···· و···· يتحدث····
* * *
الجميع بانتظار سالم الذي بدا صوته ضعيفاً واهناً، لكن صوته جسور يلمس السامع قوة الصوت ليس في إيقاعه ودرجاته على السمع، إنما في جزالته المضمونية والأسلوبية الحازمة القاطعة وفصاحته ورفعته البلاغية الراقية·
بدأ سالم يتحدث عن رحلة اختطافه وتعذيبه بكافة ما تيسر لديهم من أساليب وقال: صدقوني إذا استطاع المعتقل أن يصمد في اليوم الأول أو الساعات الأولى فإنه يصمد إلى النهاية حيث يكتسب المناعة ويتعبهم ويختطف زمام المبادرة منهم··· قال أحد المعتقلين: وهل يتعبون؟!
قال سالم: أجل يتعبون· ويكفرون بكل شيء· أتظنهم لا ينفعلون أثناء التعذيب؟! إنهم ينفعلون ويزدادون وحشية· لكن المعتقل يتعبهم، بصموده ويرعبهم ويحبطهم بل ويستطيع اللعب عليهم بذكائه ودهائه ومهارته وقوة إرادته وحتى على أقدم المحققين المخضرمين وأثراهم تجربة·
إنهم كائنات ولكنها نزعت إنسانيتها وقيمها أو انتزعت منها بفعل عوامل الإغراء والترهيب وغيرها من العوامل الاجتماعية والاقتصادية···
ثم تذكر (قمر) وقال: آه· قمر· قمر· ألا تعرفون (قمر)؟!
قالوا: نعم· المعلم (قمر)!
قال: (قمر) ذاك المعلم الناعم الخجول الذي يتحدث بغنج وكأنه غانية· من يتصور ذاك الـ (قمر) أن يحمل في أحشائه وحشاً دميماً كاسراً، يلعق الدماء ويتلذذ بها؟! لا أحد يتصور· كان إذا دخل صف المدرسة تهامس التلاميذ: دخلت مارلين مونرو (قمر) هذا يعذب المعتقلين وهوايته العضّ! أجل العض· عذّبني ولما عضّ يدي اليمنى، غرس أسنانه بيدي حتى تفجر الدم فأخرج لسانه وأخذ يلعق الدم ويدخله إلى فمه بنشوة ولذّة····
من جراء التعذيب أصبت بغيبوبات وعندما جلبوا أمي وشقيقتي وأدخلوهما زنزانة التعذيب وأنا معلق كذبيحة، نظرت إليهما· كانتا صامتتين وقمر وعصابته يضربانهما ويطلبان منهما أن تطالباني بالاعتراف لكنهما ظلتا صامتتين وأنا معلق واشتد الضرب، كان ثلاثة يضربونني بقوة ودون توقف وعلى كافة أنحاء جسدي الذي يتدلى من السقف حينئذٍ أصبت بغيبوبة طويلة واعتقد أنهم ظنوني توفيت فجاءوا يطالبونكم بسبي وشتمي····
* * *
بعد نحو تسعة أشهر جاء مسؤول كبير مع مرافقيه الأوغاد وخاطب المعتقلين: سنطلق سراحكم ولكن إياكم أن تعودوا إلى ممارساتكم السياسية السابقة وأضاف: نحن سياسيون وأنتم سياسيون والمثل يقول: حرامي البقر يعرف حرامي الغنم فإياكم ولا رحمة بعد اليوم·
وبعد أيام أطلق سراح الموقوفين وبقيت قضاياهم محالة إلى المحاكم·
* * *
وعندما خرج الموقوفون، كان كاكه عمر يبتسم لهم··· كاكه عمر··· كاكه عمر··· يبتسم لهم في الباب الخارجي·· كاكه عمر·· كاكه عمر···!
* * *
نرجو إرسال احتجاجاتكم على ممارسات النظام الصدامي الإرهابية والتضامن مع شعبنا العراقي في مأساته المروّعة على العنوان التالي:
UNITED NATIONS NEW YORK NY 10017 - U.S.A. |