|
في دراسة مهمة وموسعة كتب الأستاذ عبدالكريم هداد ما يلي: "الكثير منا يصف الأغنية العراقية عموماً بالحزينة وهي كذلك، فالحزن هذا لم يأت اعتباطاً أو تلذذاً بالحزن، وابتعاداً عن مساحة ضوء الفرح الذي هو ظل السعادة، التي يكافح الإنسان من أجلها أينما كان موطنه في أرجاء كوكب المعمورة، فهل تمتع المواطن العراقي بحقبة ما بالطمأنينة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً ولو على هامش الحد الأدنى في درجاتها، لكي تملي عليه الاستقرار النسبي في الحياة كما تضفي على روحيته السكينة وعدم القلق، لذا جاءت الأغنية متخمة بالحزن والشجن· سؤال أطرحه لأن كل الأشياء لا تأتي من العدم ولا تخلق من وهم التاريخ، وضمن هذه الأشياء تأتي الأغنية كاحدى الأشكال التعبيرية للإنسان·
وعند قراءة التاريخ الخاص بأرض الرافدين، ذلك التاريخ الذي لم يكتب تحت ظلال الملوك، نستنتج منه بأن هذه الأمة التي أرست أول حضارة بشرية، فتحت الآفاق أمام الأقوام اللاحقة في التطور العام من خلال الكتابة كطاقة تعبيرية، البناء، القوانين، المسميات للأشياء، الأسئلة، عن مكنونات الوجود، والحوادث الطبيعية والموت، وكان التساؤل الأخير هو الذي صاغ ملحمة كلكامش العظيمة وعندما سقطت دموع الملك كلكامش رثاءً لرفيقه أنكيدو ليبدأ الحزن على هذه الأرض التي تعاقبت عليها المعارك والنزاعات فيما بين الدويلات القاطنة فيها وقد جاء في الانجيل (وتناول ملاك قوي حجراً كأنه حجر طاحون عظيم وألقاه في البحر قائلاً: هكذا تدفع وتطرح بابل المدينة العظمى فتختفي إلى الأبد! لن يسمع فيك عزف موسيقى بعد، لا صوت قيثارة ولا مزمار ولا بوق ولن تقوم فيك صناعة بعد الآن، ولن يسمع فيك صوت رحى ولن يضيء فيك نور مصباح ولن يسمع فيك صوت أعراس، فقد كان تجارك سادة الأرض، وبسحرك ظللت جميع الأمم، وفيها وجدت دماء أنبياء وقديسين وجميع الذين قتلوا على الأرض)·
وهكذا كان الخراب مروراً بصراع الدولتين البيزنطية والساسانية على أرض العراق، ودموية شرطة الدولة العباسية، غير متناسية فترة المماليك وما بعدها حين جاء العثمانيون بامبراطوريتهم المظلمة وما تركته من تخلف أرست له خلال خمسة قرون، وما التاريخ الحديث، إلا امتداد لكل ما جاء ذكره ولم ينعم شعبنا العراقي في زمانه المعاصر سوى بالاقطاعيين، وحكومات سلطة الفرد المتتالية، فكانت الحربان الأخيرتان مشهدين مروعين مازالت جراحهما ماثلة للعيان حيث ترك العراقي وحده يقارع الموت اليومي·
من هنا يأتي الحزن عميقاً وبكل الوضوح وذلك نتيجة حتمية (لا شعورية) لما يثقل الإنسان العراقي من هموم ومصائب ومصاعب افترشت تاريخه الطويل كلون خثرة الدم المتواصل النزيف، لذا أرست جذور الشجن في القوالب والركائز الفنية للأغنية العراقية تعبيراً عن الأحاسيس والعواطف والخلجات الدفينة استرسالاً لابعاد ايقاعات أعماق الروح البشرية·
كذلك التعبير عن الحب، أين يجد فضاءه الإنسان العراقي وهو المثقل بالأعراف الاجتماعية القاسية لدرجة اعتباره عاراً يجب مواجهته بالثأر كما التعبير عن الطبيعة والحياة وزواياها؟ أين يجد فضاءها والاقطاعي وشيخ العشيرة لهما الحكمة وحدهما؟ كذلك المدينة، أين يجد فضاءها ودروبها مطوقة بالامتداد بين عصا معلم الابتدائية وأجهزة النظام الصدامي الارهابية·
وقد ترسخت في ذائقة العراقي وكذلك الفنان العراقي خاصية، هي ان المؤدي يجب أن يحمل صوته شيئاً من الشجن ونبرة الحزن، ومن ينصت لأغنية عراقية تدعي الفرح بايقاع راقص، عليه أن يكرر سماعها ليجد في صوت مؤديها شيئاً من الحزن العراقي وكأنه يرقص على الجراح، هذا ان كانت كلمات الأغنية تحمل ألواناً من بهجة الفرح، وحينما تكون ملحمة كلكامش تبين ضياع أمل إنسان ما بين النهرين في ذلك الزمان، بكل وضوح، نرى هناك قدراً من الحزن في الأساطير السومرية والبابلية مليئة بالبكاء والنوح والأسطورة فيها قاسم مشترك في التعبير عن حزن الإنسان العراقي الآن:
دعا أنليل العاصفة
والشعب ينوح
وأخذ من الأرض رياحاً منعشة
والشعب ينوح
وأخذ من الأرض رياحاً طيبة منعشة
والشعب ينوح
وأخذ رياحاً طيبة من سومر
والشعب ينوح
ودعا رياحاً شريرة
والشعب ينوح
وعهد بها إلى راعي العاصفة
ودعا العاصفة التي تغني الأرض
والشعب ينوح
ودعا رياحاً مدمّرات
والشعب ينوح
لذا أقول إن الحزن في الأغنية العراقية ما هو إلا تراكم السنين تلك وهذه في البحث عن واقع آخر، يراد صياغته بشكل بهي، حيث تكون صفحات التاريخ المقبلة للفرح ومن أجل كتابة أغنية فرحة لا بد من استراحة، يأخذ خلالها الإنسان العراقي نفساً عميقاً يغسل خلاله كل ثقل الوجع، ويتأكد خلالها أنه على درب يتأمل فيه مدينته الفاضلة من دون إكراه أو تذويق سياسي كاذب· |