| يعتقد الكثيرون بأن مفهوم “العدالة الانتقالية” هو مفهوم جديد إذ لم يعد هذا المفهوم متداولا في الخطاب الحقوقي والقانوني وكون هذا المفهوم لا يجري تداوله أو دراسة منشئه ووضع أسسه وأحكامه إلا في الظروف الخاصة والاستثنائية ويكون استخدامه مقتصرا على مرحلة انتقالية جديدة عندما يسقط نظام سياسي ويحل مكانه آخر حينها يتشكل هذا المفهوم كمعطى تاريخي تستلزمه المرحلة الانتقالية من عهد الى عهد أو من نظام سياسي الى نظام سياسي آخر جديد وينطبق هذا التعريف على الوضع الانتقالي الراهن في العراق حينما تحرر العراق وشعب العراق من أبشع نظام دكتاتوري دموي حيث يكون مشرع قوانين العدالة الانتقالية أمام كم هائل من الجرائم والمجازر والمجرمين العتاة الذين ارتكبوا جرائم الحروب وإبادة الجنس وتدمير البيئة والتعذيب وسرقة وإهدار الأموال العامة والصلاحيات المطلقة في إصدار القوانين الوحشية المنافية للطبيعة الإنسانية ومنجزات البشرية في مجال الحقوق الإنسانية وكل القوانين والاتفاقيات واللوائح والشرائع الدنيوية والسماوية·
إن مقتضيات وموجبات وحيثيات تطبيق العدالة الانتقالية تتطلب بالضرورة ومن أجل إحقاق العدالة الانتقالية الحقيقية جمع الأدلة والوثائق وتهيئة الشهود وإجراء التحقيقات المطلوبة بدقة متناهية ومن ثم إدانة من تثبت إدانته ومحاكمته على أحدث معايير التقاضي وأرقاها من أجل إشاعة السلام والأمان والاطمئنان في الحياة العامة وستشمل العدالة الانتقالية محاكمة الجرائم المذكورة أعلاه لمن تثبت إدانته بالأدلة القاطعة والمستمسكات المادية الملموسة وإخلاء سبيل من لم تثبت إدانته·
كذلك تتطلب العدالة الانتقالية إصدار عفو عام عن جرائم الجنح البسيطة كقضايا المرور والديون والأحوال الشخصية المدنية وقضايا التزوير في المحررات الرسمية كوثائق الأموال المدنية وجوازات السفر والمشاجرات والإيجارات وتجاوزات البناء وغيرها من القضايا التي يمكن تسويتها وديا بين الأطراف المتنازعة أما جرائم الحروب وإبادة الجنس وتدمير البيئة والتعذيب وسرقة الأموال العامة وإهدارها المنقولة وغير المنقولة وهتك الأعراض فتجب محاكمة كل مرتكبيها·
ذلكم هو جوهر مفهوم “العدالة الانتقالية” الواجب تطبيقه في العراق الجديد بأسرع وقت لأنه إحدى الضمانات الكبرى لاستقرار الأوضاع وقطع الطريق على أي أفعال أو ممارسات خطأ تلحق أشد الأضرار بالوطن والمواطن وتشيع الفوضى وتؤخر من عملية البناء السياسي والدستوري وتعرقل مهمات البناء والتنمية والإعمار·
وهذه الحقيقة يدركها جيدا الحقوقيون ورجال التشريع والكفاءات العلمية القانونية العراقية وساروا عليها سنين طويلة كما تدركها أيضا الإدارة المدنية لقوات التحالف، والمطلوب حشد كل القوى والإمكانات لوضعها موضع التشريع النهائي والتنفيذ الفوري إذ لا يجوز أن يبقى هذا العدد الهائل من كبار وعتاة المجرمين طلقاء يتحركون علنا أو متوارين عن الأنظار وضحاياهم إما في المقابر الجماعية أو مشوهين ومرضى أو معوقين أو مصابين بعاهات دائمة وأمراض نفسية خطيرة·
وهناك كم هائل من وثائق الإدانة وأسماء المجرمين يجب المحافظة عليها وتوثيقها وتصنيفها وتبويبها واعتقال كل أولئك المجرمين لينالوا عقابهم العادل الذي ينتظره شعبنا والضحايا وذوو الضحايا·
“عقرب الصحراء” والصيد الثمين؟!
أهم انجازات عملية “عقرب الصحراء” هي اعتقال أخطر شخصية صدامية هو المجرم عبدحميد حمود - السكرتير الشخصي للطاغية مع 20 من أركان الحرس الجمهوري وكميات كبيرة من ملايين الدولارات والمجوهرات وقد فتح اعتقاله الباب واسعا للكشف عن مصير صدام وولديه قصي وعدي وبقية أفراد العصابة الدموية·
وتأتي عملية “عقرب الصحراء” في إطار الحملة المنظمة للقضاء على فلول ومرتزقة نظام صدام البائد ورسالة في ذات الوقت الى الأطراف الخارجية التي لا يسعدها استقرار الأوضاع في العراق واستكمال شعبنا العراقي لمسيرة إنجاز أحكام ومستلزمات ومؤسسات العراق الجديد من كل النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وترك شعبنا يحدد خياراته وتفاعل قواه الحية مع العهد الجديد لتكون ولادته سهلة وميسرة من دون عوائق وتدخلات هدفها عرقلة ولادة عراق ديمقراطي دستوري ينعم أبناؤه بالحرية وحكم الدستور والقانون والرفاه الاقتصادي والتنمية البشرية بعد 35 عاما من الخراب والدمار ومصادرة الحريات·
إنجاز آخر لدولة الكويت
ضمن استقرار السياسة الحكيمة لدولة الكويت الشقيقة أميرا وحكومة وشعبا في دعم عملية تحرير شعبنا وإدانة النظام البائد على جرائمه الكبرى فقد نجحت الجهود المتواصلة لدولة الكويت ومطالباتها المتكررة في إدانة الجرائم التي ارتكبها نظام صدام وبخاصة المقابر الجماعية، وقد نجحت تلك الجهود المباركة في إصدار الجامعة العربية بيانا رسميا تدين فيه تلك المقابر الجماعية وتطالب بمعاقبة ومحاكمة مرتكبيها مما كان له أطيب الأثر لدى شعبنا العراقي وقواه السياسية إذ لولا دولة الكويت وضغوطها على الجامعة لما أقدمت الجامعة على هذه الخطوة والتي تسجل لها كبادرة يتيمة وفريدة بالنظر لعلاقة الجامعة الإيجابية بنظام صدام حتى بعد سقوطه بالرغم من معرفتها التفصيلية والموثقة بجرائمه وإهمالها لكل مناشدات ونداءات شعبنا وقواه السياسية طيلة 35 عاما·
الاستقرار يعود الى العراق
باستثناء بغداد وبعض المدن القريبة منها فإن الاستقرار والأمان يسودان بقية محافظات ومدن العراق وبدأت الحياة الطبيعية تعود إليها أما بغداد ومدن مثل الفلوجة وبلد فأسباب عدم استقرارها يعود الى أسباب كثيرة منها الثقل الذي تشكله مؤسسات وأجهزة وحزب صدام والأثرياء الذين نشأوا وترعرعوا في حضن النظام إضافة الى أن تلك المدن ورؤساء القبائل فيها وأئمة المساجد وهم في غالبيتهم من الأصوليين المغالين في تعصبهم وانغلاقهم الفكري والعقائدي على العالم المعاصر وعدم تفاعلهم مع المتغيرات الفكرية والعقائدية لكن بغداد في طريقها الى الاستقرار بفعل التفاعل والحركة الفكرية والإعلامية والسياسية التي تسودها من مثل إصدار الصحف والاجتماعات والحوارات والمهرجانات والمؤتمرات وانتعش هذا النشاط بعد عودة آخر قادة القوى السياسية الليبرالية المعتدلة وهو الشريف علي بن الحسين - راعي الحركة الملكية الدستورية وساهم في هذا الاستقرار أيضا الإعلام الكويتي الذي يتابعه شعبنا وينقل الحقائق كما هي باستقلالية وحيادية ويركز على الإيجابيات في الوضع العراقي وينقل السلبيات بتجرد ومن دون تعظيم وتضخيم ومبالغة متعمدة كما تفعل بقية الفضائيات والصحف المعروفة· |